الرئيسية

جامعة الباحة تُحوّل التراث إلى اقتصاد مستدام

Listen to this article

أحوال – عبد الله صالح الكناني

في خطوة نوعية تجسد تكامل الأدوار التعليمية والتنموية، وتؤكد حرص المؤسسات الأكاديمية على حماية الموروث الوطني وتعظيم الاستفادة منه، أطلق معالي رئيس جامعة الباحة الدكتور عبدالله بن يحيى الحسين، مبادرة «صُنع في دارنا»، التي ينفذها فريق تنمية المحتوى المحلي بالجامعة، بهدف إبراز المنتجات المحلية التي تزخر بها منطقة الباحة، وتعزيز حضورها في المشهد الاقتصادي الوطني، عبر تمكين الحرفيين وروّاد الأعمال، وتحويل الحِرف التقليدية والمنتجات التراثية إلى روافد إنتاجية مستدامة.

وتأتي هذه المبادرة امتدادًا لدور الجامعة في خدمة المجتمع المحلي، وحرصها على ربط المعرفة الأكاديمية بالهوية الثقافية للمنطقة، من خلال دعم الابتكارات التقنية، والحِرف اليدوية، والمنتجات الزراعية والعضوية التي تتميز بها الباحة، والتي لطالما شكّلت جزءًا أصيلاً من حياة الإنسان في هذه الرقعة الجبلية ذات الطبيعة الفريدة.

الباحة إرث عريق وهوية متجذّرة

وتُعد منطقة الباحة واحدة من أغنى مناطق المملكة بالموروث الثقافي والحضاري، حيث تحتضن تاريخًا طويلًا من الحِرف التقليدية التي توارثها الأبناء عن الآباء، مثل صناعة السدو والنسيج اليدوي، وأعمال الخوص من سعف النخيل، والنحت على الأحجار الجبلية الصلبة، وصناعة الأدوات المنزلية التراثية، إضافة إلى المأكولات الشعبية التي تشتهر بها المنطقة، والمنتجات الزراعية التي برزت بجودتها العالية، وأبرزها: العسل الطبيعي، والرمان، والتين، والبُنّ البلدي، والأعشاب العطرية والطبية التي تنمو في جبال السروات.

وقد شكّلت هذه المقومات، عبر مئات السنين، هوية اقتصادية واجتماعية متكاملة، أسهمت في تشكيل نمط حياة سكان المنطقة، وعززت من ارتباطهم بالأرض والطبيعة والبيئة الجبلية الخصبة، وهو ما سعت المبادرة إلى إعادة إحيائه وتقديمه بصيغة عصرية تواكب متطلبات السوق الحديث.

تمكين الحرفيين ودعم روّاد الأعمال

وأوضح رئيس فريق تنمية المحتوى المحلي بالجامعة الدكتور حسن بن عبدربه الزهراني، أن مبادرة «صُنع في دارنا» تُعنى بإظهار ما تزخر به منطقة الباحة من إمكانات إنتاجية ومواهب وطنية واعدة، والعمل على تمكين الحرفيين والحرفيات وأصحاب المشاريع المنزلية وروّاد الأعمال الشباب، من خلال توفير منصات عرض منظمة واحترافية لمنتجاتهم، ومساعدتهم على تطوير جودة الإنتاج ورفع كفاءته، بما يعزز من قدرته على المنافسة في الأسواق المحلية والوطنية.

وبيّن أن المبادرة شهدت مشاركة أكثر من خمسة وعشرين ركنًا متنوعًا، تمثل قطاعات حرفية وزراعية وإبداعية متعددة، توزعت بين منتجات تراثية، وأعمال يدوية، ومشغولات فنية، وعطور طبيعية، ومنتجات غذائية عضوية، ومشاريع ابتكارية مستدامة مستمدة من بيئة المنطقة.

وأضاف أن اختيار اسم «صُنع في دارنا» لم يكن مجرد مسمى، بل هو رسالة تعكس عمق الانتماء للمكان، وتجسّد اعتزاز أبناء الباحة بإرثهم وهويتهم، وترمز إلى مسؤولية الحفاظ على هذا الإرث وتحويله إلى علامة جودة تستحق أن تصل إلى مختلف مناطق المملكة وخارجها مستقبلًا.

ورش وتأهيل وتسويق عصري

وأشار الزهراني إلى أن المبادرة لا تقتصر على عرض المنتجات فحسب، بل تشمل سلسلة من البرامج التوعوية وورش العمل التدريبية، التي تستهدف تطوير مهارات المشاركين في مجالات: تحسين جودة المنتج، والتغليف الاحترافي، وبناء العلامة التجارية، والتسويق الرقمي عبر المنصات الإلكترونية، وإدارة المشاريع الصغيرة، والتمويل، مما يسهم في نقل الحِرف التقليدية من إطارها المحدود إلى نطاق اقتصادي واسع ومنظم.

وأكد أن هذه البرامج تُنفذ بالشراكة مع عدد من الجهات الداعمة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام المشاركين لتسويق منتجاتهم محليًا، وربما عالميًا مستقبلًا.

تماشياً مع رؤية المملكة 2030

وأكدت جامعة الباحة أن مبادرة «صُنع في دارنا» تأتي انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي أولت اهتمامًا كبيرًا بالمحتوى المحلي، ودعم الصناعات الوطنية، وتمكين المواطنين من بناء مشاريعهم الخاصة، والاعتماد على الإنتاج الوطني بوصفه ركيزة أساسية لتنويع مصادر الدخل وتعزيز الاقتصاد غير النفطي.

كما شددت الجامعة على التزامها بمواصلة إطلاق المبادرات المجتمعية التي تسهم في حماية الموروث الثقافي من الاندثار، وربطه ببرامج التعليم والبحث العلمي والابتكار، وتحويله إلى مصدر إلهام للإبداع وريادة الأعمال.

تفاعل مجتمعي وإشادة واسعة

وشهدت المبادرة حضورًا لافتًا من الأكاديميين، والمهتمين بالشأن الثقافي والتراثي، وروّاد الأعمال، وأهالي المنطقة، الذين أثنوا على ما شاهدوه من تنظيم متميز وتنوع في المعروضات وجودة في الإنتاج، مؤكدين أن ما قدمته جامعة الباحة يجسد نموذجًا ناجحًا للتكامل بين التعليم والمجتمع والتراث والاقتصاد.

واختُتمت الفعالية وسط إشادة عامة بقدرة أبناء المنطقة على الجمع بين أصالة الماضي وروح الحاضر، وبما يعزز من مكانة منطقة الباحة كإحدى الحاضنات الكبرى للموروث الوطني والمنتج المحلي الأصيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى