الرئيسيةثقافة

جبل القدر.. بركان المدينة الذي دوَّن 5 آلاف عام من التاريخ في حممه

Listen to this article

أحوال – عبد الله صالح الكناني

يُعدّ جبل القدر الواقع في حرة خيبر البركانية شمال المدينة المنورة أحد أبرز المعالم الجيولوجية الحديثة في شبه الجزيرة العربية، وأحد الشواهد الحية على النشاط البركاني الذي شهدته المنطقة عبر آلاف السنين، الأمر الذي أهّله لأن يكون ضمن قائمة أعظم 100 موقع جيولوجي عالمي التي أعلنها الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية (IUGS) بالتعاون مع منظمة اليونسكو، تقديرًا لقيمته العلمية والجيومورفولوجية والتراثية الفريدة.

ويمثل الجبل، وفقًا لهيئة المساحة الجيولوجية السعودية، موقعًا استثنائيًا يمزج بين التاريخ الطبيعي والنشاط البشري القديم، حيث يتشكّل من مخروط بركاني واضح المعالم يرتفع نحو 400 متر عن سطح الأرض، ويُعدّ من أحدث البراكين التي ثارت في تاريخ المملكة.

ما يجدر ذكره أن ثوران جبل القدر بدأ على النحو لتالي.

تشير الدراسات الجيولوجية إلى أن النشاط البركاني في منطقة حرة خيبر يعود إلى ملايين السنين، إلا أن جبل القدر نفسه يمثل مرحلة حديثة نسبيًا من هذا النشاط، حيث يُقدّر أن آخر ثوران له وقع قبل نحو 1000 عام تقريبًا (في القرن العاشر أو الحادي عشر الميلادي)، ما يجعله من أحدث البراكين ثورانًا في المملكة العربية السعودية.

وخلال هذا الثوران، اندفعت كميات هائلة من الحمم البازلتية السوداء والمواد الفتاتية البركانية عبر شبكة معقدة من القنوات والأنابيب البركانية، ما أدى إلى تشكل سهول حممية واسعة ما تزال واضحة الملامح حتى اليوم، وتبدو وكأنها توقفت فجأة عن الحركة.

ومن أبرز ما يميز جبل القدر أن حممه البركانية غطّت منشآت حجرية ضخمة تُعرف باسم “الطائرات الورقية الصحراوية”، وهي هياكل أثرية استخدمها الإنسان القديم كأدوات صيد جماعي للحيوانات، ويُرجّح أن يعود تاريخها إلى العصر البرونزي قبل نحو 5000 عام.

ويُفسَّر ذلك بحدوث ثوران لاحق بعد بناء تلك المنشآت بآلاف السنين، ما أدى إلى طمرها جزئيًا تحت الحمم، وهو ما يوفّر للعلماء دليلًا زمنيًا نادرًا يُظهر تتابع النشاط البشري والنشاط البركاني في ذات الموقع.

ويمثّل هذا التداخل الجيولوجي الأثري حالة فريدة تُدرّس اليوم في الجامعات ومراكز الأبحاث العالمية، حيث يجمع الموقع بين علم البراكين وعلم الآثار والأنثروبولوجيا في مشهد واحد.

 أهمية جبل القدر العلمية والسياحية:

لم يعد جبل القدر مجرد تشكيل طبيعي جامد، بل تحوّل إلى مختبر مفتوح للعلماء والباحثين في مجالات الجيولوجيا والبراكين والبيئة، ومنطقة جذب لطلبة الجامعات والمهتمين بالتكوينات الأرضية النادرة.

كما يُعد موقعًا واعدًا لـ السياحة الجيولوجية (Geotourism)، التي بدأت المملكة توليها اهتمامًا خاصًا ضمن سياق رؤية السعودية 2030، لما تمتلكه من:

  • تكوينات صخرية فريدة
  • مشاهد حممية نادرة
  • تاريخ تراكمي يمتد لآلاف السنين
  • ارتباط بين الطبيعة والإنسان القديم

ويمثل إدراج جبل القدر في قائمة أهم 100 موقع جيولوجي عالمي اعترافًا دوليًا بمكانته، ويؤكد أن أراضي المملكة ما تزال تخبئ كنوزًا علمية وبيئية لم تُكشف بالكامل بعد.

جبل القدر ليس مجرد بركان خامد بل شاهد جيولوجي إلى جانب أنه ذاكرة زمنية ذاكرة حجرية للأرض تسجل تحولات المناخ والطبيعة والإنسان، وتروي قصة تفاعل عميق بين قوى الطبيعة وإرادة البقاء على هذه الأرض منذ آلاف السنين.

واليوم، يقف هذا المعلم شامخًا في شمال المدينة المنورة، شاهدًا على ماضٍ مشتعل، وحاضرٍ علمي، ومستقبلٍ سياحي ومعرفي واعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى