في خطوة تحمل أبعادا سياسية وتاريخية، يصدق البرلمان الجزائري، الاربعاء، على مشروع قانون يجرم الاستعمار الفرنسي ويصفه بـ”جريمة دولة”، مع المطالبة باعتذار رسمي وتعويضات من فرنسا. في وقت تمر فيه العلاقات بين البلدين بإحدى أكثر مراحلها توترا، ليعيد ملف الذاكرة الاستعمارية إلى صدارة المشهد السياسي
مشروع قانون يحمل الدولة الفرنسية المسؤولية القانونية والأخلاقية عن ماضيها الاستعماري في الجزائر، وما خلفه من خسائر بشرية ومادية ومعنوية، ينص على المطالبة باعتذار رسمي وتعويض “شامل ومنصف”، إضافة إلى استرجاع الممتلكات والأموال المنقولة والأرشيف الوطني.
قانون رمزي ورسالة سيادية
وتراهن السلطات الجزائرية على البعد السياسي والرمزي للقانون. فقد شدد رئيس المجلس الشعبي الوطني على أن الخطوة تندرج ضمن السيادة الوطنية، وتؤكد أن الذاكرة التاريخية للجزائر “ليست موضوع مساومة أو نسيان”، في إشارة إلى مركزية ملف الاستعمار في الخطاب الوطني.
التجارب النووية وملفات مفتوحة
حيث يولي مشروع القانون أهمية خاصة لملف التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و1966، مطالبا بتنظيف مواقع التفجيرات وتسليم الخرائط الكاملة للتجارب النووية والكيماوية، والكشف عن مواقع الألغام.
كما يشدد على حق الجزائر في استعادة الأرشيف الوطني وكل الممتلكات التي نقلت إلى الخارج خلال الحقبة الاستعمارية.
ويستند المشروع إلى سردية جزائرية تعتبر الغزو الفرنسي عام 1830 وما تبعه من “قمع وترحيل وتدمير للبنى الاجتماعية والاقتصادية”، وصولا إلى حرب التحرير (1954–1962)، أساسا للمطالبة بالاعتراف والاعتذار.
ولا تزال أرقام الضحايا موضع خلاف بين الرواية الجزائرية والتقديرات الفرنسية، ما يعكس عمق الانقسام حول الذاكرة المشتركة.
موقف فرنسي متحفظ
وفي باريس، امتنعت السلطات عن التعليق على النقاش الدائر في الجزائر، مكتفية بالتأكيد على أنه شأن داخلي.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد وصف في وقت سابق الاستعمار بأنه “جريمة ضد الإنسانية”، قبل أن يتراجع عن فكرة الاعتذار الرسمي، مفضلا الاكتفاء بخطوات رمزية للمصالحة.
ويأتي هذا التصويت في ظل أزمة دبلوماسية متصاعدة بين باريس والجزائر، تفجرت عقب دعم فرنسا، صيف 2024، لمقترح الحكم الذاتي للصحراء الغربية تحت السيادة المغربية. وهو ما فاقم حدة التوتر، خاصة بعد إدانة وسجن الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال، قبل أن يفرج عنه لاحقا بعفو رئاسي بوساطة ألمانية.