الإصغاء إلى إشارات جسمك قد يغير استجابته المناعية

لكن دراسة حديثة تشير إلى أن الأمر قد يكون أكثر تعقيدا؛ فبدلا من صرف الانتباه عن الإحساس بالالتهاب، قد يساعد التركيز عليه الجسم على تنظيم استجابته المناعية.
وأظهرت الدراسة، التي قادها عالم الأعصاب ليرون روزنكرانتز من جامعة بار إيلان في إسرائيل، أن توجيه الانتباه إلى الإحساس الناتج عن الالتهاب أدى إلى انخفاض الاستجابة الالتهابية في الجلد، مقارنة بتشتيت الانتباه عنه.
واختبر الباحثون هذه الفكرة باستخدام اختبار وخز الجلد بالهيستامين، وهو اختبار شائع يستخدم لدراسة ردود الفعل التحسسية.
فعند وضع الهيستامين على الجلد، تظهر منطقة مرتفعة ومتورمة تعرف باسم “الوذمة”، يحيط بها احمرار يعرف باسم “التوهج”. ويمكن قياس حجم هذه المناطق لمتابعة شدة الاستجابة الالتهابية خلال نحو 20 دقيقة.

في التجربة الأولى، شارك 37 شخصا من الأصحاء في جلستين منفصلتين. طلب الباحثون من المشاركين في الجلسة الأولى التركيز على الأحاسيس التي يشعرون بها في المنطقة التي تعرضت للوخز، بينما طلبوا منهم في الجلسة الثانية تشتيت انتباههم من خلال مشاهدة مقاطع فيديو جذابة.
ثم أجرى الباحثون تجربة ثانية شملت 20 مشاركا، واستخدموا فيها أشكالا مجردة. وفي إحدى الجلسات، استخدم المشاركون الأشكال كتذكير للتركيز على الجلد المتهيج، بينما ركزوا في الجلسة الأخرى على الأشكال نفسها وتخيلوا وجودها في العالم الحقيقي.
وسمح هذا التصميم للباحثين بمعرفة ما إذا كان التأثير مرتبطا بمجرد تركيز الانتباه، وليس بالموضوع الذي يركز عليه الشخص.
التركيز زاد الإحساس وخفف الالتهاب
أظهرت النتائج مفارقة لافتة. فعندما ركز المشاركون على المنطقة الملتهبة، شعروا بالانزعاج بدرجة أكبر، وهو ما يتفق مع نتائج دراسات سابقة حول تأثير الانتباه على إدراك الألم والأحاسيس الجسدية.
لكن في الوقت نفسه، كانت الاستجابة الالتهابية نفسها أقل.
ففي التجربة الأولى، بلغ متوسط حجم الوذمة 3.5 مليمترات عندما ركز المشاركون على الإحساس، مقابل 5 مليمترات عندما شتتوا انتباههم. كما بلغ متوسط حجم التوهج المحيط بها 10.6 مليمترات في حالة التركيز، مقارنة بـ14 مليمترا في حالة التشتيت.
وأظهر نحو 90% من المشاركين استجابة التهابية أكبر عندما شتتوا انتباههم، وكانت استجابتا الوذمة والتوهج أكبر بنحو 1.5 مرة في المتوسط مقارنة بحالة التركيز.
كما بدت الاستجابة الالتهابية أكثر سرعة في التراجع عندما ركز المشاركون على الإحساس. وبعد 20 دقيقة، كانت الوذمة قد استقرت أو بدأت في الانكماش لدى نحو 90% من المشاركين في حالة التركيز، مقابل 46% فقط في حالة تشتيت الانتباه.
وتوصلت التجربة الثانية إلى نتائج مشابهة، إذ كان الالتهاب أقل عندما وجه المشاركون انتباههم إلى الإحساس الداخلي، ما دعم فكرة أن توزيع الانتباه نفسه قد يؤثر في الاستجابة المناعية.
كيف يمكن للانتباه أن يؤثر في المناعة؟
حاول الباحثون معرفة الآلية التي تقف وراء هذه الظاهرة. وطرحوا فرضية مفادها أن التركيز على الإحساس يجعل الإشارة الجسدية أكثر وضوحا للدماغ، ما قد يساعده على جمع معلومات أفضل عن حالة الجسم وتنظيم الاستجابة المناعية وفقا لها.
ولاختبار ذلك، أعاد الباحثون التجربة بعد تخدير المنطقة باستخدام الليدوكائين. وعندما اختفى الإحساس تقريبا، تراجع تأثير التركيز على الالتهاب، لكنه لم يختف بالكامل.
ودفع ذلك الباحثين إلى البحث عن آلية أخرى، فراقبوا نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي لدى المشاركين.

ولم تظهر فروق واضحة في معدل ضربات القلب أو التوصيل الكهربائي للجلد أو درجة حرارة الجلد، لكن الباحثين رصدوا اختلافا في تقلب معدل ضربات القلب، وهو مؤشر يستخدم بشكل غير مباشر لدراسة نشاط الجهاز العصبي اللاودي، الذي يرتبط من بين وظائفه بتنظيم الالتهاب.
واستمرت هذه الزيادة المرتبطة بالانتباه الداخلي حتى بعد تخدير المنطقة، ما يشير إلى أن الانتباه قد يؤثر في المناعة عبر أكثر من مسار عصبي واحد.
ويرى الباحثون أن الانتباه قد يعمل كحلقة وصل بين الإشارات الحسية التي يلتقطها الجسم والآليات التي يستخدمها الدماغ لتنظيم الاستجابة المناعية.
لا يعني ذلك علاج المرض بالتفكير
رغم أهمية النتائج، يحذر الباحثون من المبالغة في تفسيرها. فالدراسة شملت 57 مشاركا فقط، واستخدمت نموذجا تجريبيا محدودا يعتمد على التهاب جلدي مؤقت ناتج عن الهيستامين.
ولا يزال من غير المعروف ما إذا كانت النتائج تنطبق على حالات أكثر تعقيدا، مثل الالتهابات المزمنة أو العدوى أو أمراض المناعة الذاتية.
ومع ذلك، تضيف الدراسة دليلا جديدا على أن العلاقة بين الدماغ والجسم قد تكون أكثر تعقيدا مما كان يعتقد. فالانتباه لا يغير فقط الطريقة التي نشعر بها بالأعراض، بل قد يؤثر أيضا في الطريقة التي يستجيب بها الجسم للإشارات التي يرسلها.
ويشير الباحثون إلى أن نتائجهم تدعم النظر إلى الانتباه باعتباره عاملا يمكن أن يساهم في تنظيم المناعة، وتفتح الباب أمام مزيد من البحث في العلاقة بين التجربة الحسية ووظائف الجسم المناعية.
نشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Human Behaviour.
المصدر: ساينس ألرت
إقرأ المزيد
صلة مدهشة بين الأمعاء وسمات الاعتلال النفسي
توصلت دراسة حديثة إلى وجود رابط بين تركيب الميكروبيوم في الأمعاء والفم وسمات الاعتلال النفسي، ما يضيف بعدا جديدا لتأثير البكتيريا التي تعيش داخل أجسادنا على تشكيل السلوك والهوية.




