أهم الأخبار

كيف تنظر إدارة البيت الأبيض إلى “الخلاف” بين توم باراك وإسرائيل؟

Listen to this article

وقال الكاتب يعقوب كينان في مقاله بعنوان “كيف تنظر إدارة البيت الأبيض إلى الخلاف بين باراك وإسرائيل؟”:

«لسنوات عديدة، عملت الولايات المتحدة وإسرائيل وفق افتراض مريح بأن أهدافهما الإقليمية متطابقة. لكن البيت الأبيض يجد اليوم أن المناورات التكتيكية الإسرائيلية، وتحديدا محاولاتها التوسعية لرسم “خطوط حمراء” عسكرية جديدة، تقوض بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية الأوسع لأمريكا.

وفي الوقت الذي تركز فيه الولايات المتحدة على خطة دقيقة لتحقيق الاستقرار الإقليمي، وتسعى إلى “تهدئة الوضع” دبلوماسيا، فإن الهدف الأساسي لإسرائيل في مرحلة ما بعد الأسد هو ضمان بقاء سوريا ضعيفة ومجزأة ومفتوحة أمام التحليق الإسرائيلي المتواصل.

إقرأ المزيد

صحفية مقربة من ترامب: استدعاء توم باراك بعد تصريحاته حول إسرائيل وقد لا يعود إلى تركيا

هذا التباين الأساسي هو ما حذرت منه واشنطن: وضع تعمي فيه “دولة مفضلة” صناع السياسة عن حقيقة أن الإجراءات الارتجالية للحليف تضر بشكل نشط بالأهداف الاستراتيجية للدولة الأم.

ونتيجة لذلك، فإن الانتقاد العلني للضربة الإسرائيلية من جانب توم باراك، سفير إدارة الرئيس الأمريكي (لدى تركيا) نفسه وأحد أكثر حلفاء الرئيس دونالد ترامب ثقة، لم يحظ بدعم كامل في الداخل. كما كشف عن انقسامات داخل معسكر “ماغا” وأثار تساؤلات حول كيفية نظر البيت الأبيض فعليا إلى هذا الخلاف.

أطروحتان حول ما حدث في أبو الظهور

أبو الظهور هي قاعدة جوية عسكرية سورية، ووفقا للرواية الإسرائيلية، أصبحت هدفا لأن القوات التركية كانت تستعد للتحرك إليها. هذه هي الأطروحة الأولى، وهي صادرة عن تل أبيب: يقول وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن جيشه أوصى بضرب القاعدة في أكثر من مناسبة، استنادا إلى معلومات استخباراتية تشير إلى أن النشاط التركي هناك كان خطيرا بما يكفي لتهديد الأمن الإسرائيلي. ويقول كاتس إن إسرائيل شاركت تلك المعلومات الاستخباراتية مع واشنطن مسبقا، وعندما لم يصدر أي رد، مضت الضربة قدما على أي حال.

أما الأطروحة الثانية فتأتي من الجانب الأمريكي، وهي لا تفسر مجموعة الحقائق نفسها بشكل مختلف فحسب، بل تشكك في الحقائق ذاتها. وتفيد رواية باراك، التي نقلها مسؤولون أمريكيون، بأن الاستخبارات الأمريكية تحققت من الادعاء الإسرائيلي على الأرض، ولم تجد أي تحرك تركي نحو القاعدة على الإطلاق.

وهذا يترك الحليفين أمام قراءتين متناقضتين للموقع نفسه: إما أن القوات التركية كانت تحشد قواتها باتجاه قاعدة أبو الظهور الجوية، أو أنها لم تكن تفعل ذلك، فيما عادت الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية، وهي تنظر إلى الصورة نفسها، بإجابتين متعارضتين.

إقرأ المزيد

تعارضت مع موقف الرئيس.. مبعوث ترامب يتراجع عن تصريحاته بشأن الجولان السوري المحتل (فيديو)

ولم يتوقف باراك عند التشكيك في المعلومات الاستخباراتية، بل وصف الضربة بأنها “تصعيد غير ضروري”، ثم ذهب إلى أبعد من ذلك، وطرح، بحذر، كفرضية وليس كاتهام، احتمال أن تكون إسرائيل قد أرادت نصب فخ لتركيا وجرها لرد عسكري، وهو سيناريو يخدم المصالح الإسرائيلية مع اقتراب الانتخابات على حد قوله باراك.

وسارع المسؤولون الإسرائيليون إلى إعادة الانتقاد إلى مصدره، ودافعوا عن الضربة باعتبارها ضرورية، من دون أن ينفوا أنهم يسعون إلى فرض واقع جديد، رغم أن القاعدة تقع على بعد أكثر من 400 كيلومتر (248.55 ميلا) من أقصى نقطة شمالية لإسرائيل، وعلى بعد 70 كيلومترا فقط من الحدود التركية.

ليست المرة الأولى التي اضطر فيها ترامب إلى الاختيار

لم تكن هذه أول إشارة من الإدارة إلى موقفها. ففي إحاطة في أبريل، قال الرئيس ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مباشرة إنه بحاجة إلى أن يكون “عقلانيا” في خلافه مع تركيا، في تحذير صدر قبل وقت طويل من أن يحول أبو الظهور الخلاف إلى قضية علنية.

ثم، في 30 مايو، تحرك وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لحسم أي شكوك بشأن باراك تحديدا في مناسبة مماثلة، ووصفه بأنه “عضو لا غنى عنه في فريق الرئيس”، وقال إنه “يحظى بثقتي الكاملة”، وإنه يعمل “بدعم كامل من وزارة الخارجية”.

وتشير اللحظتان إلى الاتجاه نفسه: عندما اصطدمت الاعتراضات الإسرائيلية بقراءة ترامب ومبعوثه لتركيا وسوريا، انحاز الرئيس إلى مبعوثه، من دون الدخول في مواجهة علنية مع القيادة والمسؤولين الإسرائيليين.

الاختلاف حول الإدارة والاستراتيجية

يرى المحلل السياسي التركي طه عودة أوغلو أن ترامب يقرأ الخلاف حول باراك باعتباره اختلافا حول كيفية إدارة اللحظة الراهنة، وليس انفصالا في الاتجاه الاستراتيجي.

وفي حديثه إلى “Türkiye Today”، أشار إلى أن الانتقادات الإسرائيلية لباراك تسببت في حالة من عدم الارتياح الحقيقي داخل الإدارة، تحديدا لأن السفير باراك ربط تحركاته بشكل مباشر بإرادة الرئيس، واصفا نفسه بأنه ينفذ خطة ترامب، ما يعني أن الانتقاد العلني للسفير يُنظر إليه في واشنطن على أنه اعتراض غير مباشر على ترامب نفسه.

إقرأ المزيد

حسابات تنشر صورا لأنظمة دفاع جوي تركية في دمشق.. ومحلل عسكري يكشف حقيقتها (صور)

ويرى أن غريزة ترامب تتمثل في تفضيل الحفاظ على مساحة للمناورة، وتجنب الصراع المفتوح مع الحكومة الإسرائيلية، مع رفضه في الوقت نفسه السماح لأي “طرف، إسرائيليا كان أم أمريكيا”، بفرض سياسة على واشنطن لا تتوافق مع حسابات الإدارة السياسية والدبلوماسية الخاصة بها.

ويضيف أن إسرائيل تميل إلى التعامل مع هذه الملفات من زاوية أمنية بحتة، بينما تضعها إدارة ترامب ضمن إطار أوسع يتعين عليه أيضا إدارة الدبلوماسية والضغوط السياسية والعلاقات مع الجهات الفاعلة الإقليمية التي لا يتعين على إسرائيل التعامل معها.

ما الذي تشير إليه محادثات عمّان بشأن موقف واشنطن؟

ظهر أوضح دليل على هذا الإطار الأوسع بعد أيام من الضربة، ليس في بيان، وإنما في اجتماع. ففي هذا الأسبوع، اجتمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مرة أخرى في عمان، الأردن، مع وفد إسرائيلي رفيع المستوى، قيل إنه يضم رئيس الموساد رومان غوفمان، بوساطة أمريكية.

وقالت وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” إن المحادثات ركزت على آليات عملية لوقف الضربات والاعتقالات والعمليات الإسرائيلية المستهدفة، وعلى إحياء المفاوضات نحو اتفاق أمني دائم. وكان الشيباني قد قال لرويترز إن سوريا قطعت الاتصال بالكامل بعد أبو الظهور، مع تجميد المسار الأوسع منذ الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران في فبراير. وكانت عمان بمثابة محاولة من واشنطن لإعادة الطرفين إلى طاولة تفوض كانت دمشق قد انسحبت منها.

إقرأ المزيد

أردوغان: تجار الدم ومرتكبو الإبادة سيخسرون و

وكانت تركيا حاضرة أيضا في هذا المسار، حتى من دون أن يكون لها مقعد حول الطاولة. ووفقا لـ”سانا”، ركز جزء من النقاش على تخفيف التوترات بين إسرائيل وتركيا وإبقاء تنافسهما بعيدا عن الأراضي السورية، كما أفادت “جيروزاليم بوست” بأن الجانبين ناقشا أيضا غرفة تنسيق في الأردن يمكن من خلالها لإسرائيل وسوريا، وربما تركيا، التواصل مباشرة بدلا من التصعيد عبر الضربات.

وفي بداية العام، كان هناك تفاهم على أن الدور المتوسع لأنقرة في سوريا هو مسألة تركية-سورية ثنائية، ما دام بعيدا عن جنوب البلاد. أما إسرائيل فتريد الآن، فعليا، جعل تركيا طرفا ثالثا دائما في مفاوضاتها الخاصة مع دمشق.

ولم تُغلق الفجوات التي عرقلت المحادثات لأشهر. فقد أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن إسرائيل دخلت جولة عمّان بمجموعة من الخطوط الحمراء: عدم وجود نشاط عسكري تركي في سوريا، وجولان سوري منزوع السلاح، وضمانات للدروز، وفرض قيود على منظومات الأسلحة التي يمكن لدمشق الحصول عليها، وربط أي انسحاب إسرائيلي بتحقيق مكاسب دبلوماسية إضافية.

وبحسب التقارير، تريد دمشق من إسرائيل الانسحاب إلى المواقع التي كانت تسيطر عليها قبل سقوط الأسد وإعادة العمل بإطار فض الاشتباك لعام 1974، وترفض القيود الإسرائيلية على المساعدات العسكرية التي يمكنها قبولها من تركيا.

ولا يبدو أن البيت الأبيض ينحاز إلى أحد الطرفين لأسباب عاطفية. بل يبدو كأنه يحاول إدارة حليف تتصادم غرائزه التكتيكية باستمرار مع استراتيجية الإدارة نفسها.

المصدر: “Türkiye Today”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى