مقالات

تأخذ ولا تعطي.. !

Listen to this article

أ. شهوان بن عبد الرحمن الزهراني

المصارف والبنوك المحلية تحظى بحظ وافر منذ نشأتها لا تتمتع بها البنوك الأخرى خارج الوطن، فلا ضرائب دخل مفروضة، ولا تسهيلات للمودعين موجودة، ولا مشاركة منها اجتماعية ملحوظة، وليس هناك ما يدعوها أو يجبرها أو يحفزها على القيام بأية مشاركة تنموية اجتماعية للمواطنين، فهي تأخذ ولا تعطي، بل لسان حالها يقول هل من مزيد.؟ فهذه البنوك والمصارف استحوذت على جميع النقد لدى المواطنين إيراداً ومصروفاً، ولم يعد المواطن بصفة عامة والموظف بصفة خاصة يملك حرية كيفية التصرف بماله إلا عن طريق هذه البنوك جبراً وقسراً وحتى ولو أراد أن يضع مدخراته تحت البلاطة – كما يقولون – لذهبت تلك البنوك بطريق غير مباشر لنزع البلاطة واستخراج المال من تحتها، فالشراء والبيع وسداد الفواتير والغرامات والرسوم بكافة أنواعها تتم من خلال فتح حساب في البنوك فأصبحت البنوك أخطبوطاً يبلع كل قرش يدخل جيب المواطن، ويتدخل في حركة المواطن الاقتصادية ويقيده في ذلك الإطار.

ومع ذلك فهذه البنوك لا زالت في سباق محموم لفتح أبواب الإقراض على مصراعيه لتتمكن من تشديد قبضتها على مدخرات المواطن ضمن خزائنها، ولهذا تسعى جاهدة للاستحواذ على أكبر عدد من الراغبين في الاقتراض، بإعلانات تحمل عبارات الإغراء والآمال لكل راغب في سبيل تحصيل المال، فتدس السمّ في العسل، فلا يملك المواطن من خلال ضغط المصروفات الأسرية وغيرها إلا الاستجابة لهذه العروض الجذابة، التي ظاهرها التخفيف والتسهيل وباطنها التعذيب والتكبيل.

صحيح إن إيداع الأموال في هذه المصارف والبنوك فيه تسهيل على المواطنين لسداد الفواتير والرسوم وغيرها وأمان لهم من حمل النقود، ولكن في المقابل ماذا عملت هذه البنوك والمصارف تجاه المواطنين مقابل الاستحواذ على مدخرات المواطنين، وهي لا تتحمل أي عبء مقابل قيامها باستثمار الإيداعات الضخمة التي يودعها المواطنون في حساباتهم في البنك. رغم الأرباح الفلكية التي تحققها البنوك من جراء استثمار هذه الإيداعات الهائلة، فالمواطنون أصحاب الودائع والحسابات الجارية لا يتقاضون إي أرباح أو عوائد مقابل استثمار أموالهم المودعة لدى البنوك، والبنك المركزي لم يحل محل المودعين للمطالبة بمشاركة البنوك في هذه الأرباح.

وكان من اللائق بهذه البنوك – من باب رد الجميل لمجتمع المودعين على أقل تقدير- أن تقوم بالمساهمة في إنشاء مشاريع تنموية اجتماعية، تتناسب مع استفادة البنوك من هذه الإيداعات وتخدم هؤلاء المودعين، فالبنوك مهما أنفقت في سبيل ذلك فإنها لن توازي إلا نسبة قليلة من أرقام الأرباح الفلكية التي تعود عليها بسبب وجود السيولة التي تستثمرها.

وهذه الأرباح الكبيرة بالأرقام الفلكية التي تطالعنا بها الصحف في ميزانيات البنوك السنوية أو الدورية تدعو بحق إلى أمر هام يثير التساؤل وهو أن هذه الأرباح الباهظة ما هي إلا نتيجة استخدام أموال المودعين في المتاجرة والإقراض، فالأرباح لم تصل إلى هذه الأرقام الضخامة لولا ضخامة المبالغ المودعة لدى البنك، ولكن الذي يفوز بها هو البنك ومساهميه وحدهم، في حين يكون المودعين خارج الحسبة، مع أن أموالهم هي التي جلبت الأرباح.! ولنأخذ مثلاً أحد البنوك لنرى أن أبرز نتائج التسعة الأشهر الأولى لعام 2024م ومقارنتها بنفس الفترة من عام 2023م فكانت على النحو التالي:

1- ارتفاع إجمالي دخل العمليات التشغيلية (الأرباح) بنسبة 4% ليصل إلى 27.1 مليار ريال.
2- ارتفع إجمالي الأصول إلى 1.12 تريليون ريال بزيادة قدرها 8 %
3- ارتفاع صافي التمويل والسلف إلى 655 مليار ريال بزيادة قدرها 9%
4- نمو ودائع العملاء بنسبة 7% لتصل إلى 634 مليار ريال.

وينبغي هنا التدقيق والملاحظة والتمحيص في البند (3) مع البند (4) أعلاه ومقارنة مبالغ
التمويل مع مبالغ الودائع نجد أن الرقم متقارب بمعنى لولا الإيداعات الضخمة لما كان التمويل
بهذا الرقم الفلكي الذي نتج عنه تلك الأرباح الضخمة.

والسؤال هنا: أين مساهمة هذه البنوك والمصارف في تقديم الخدمات والتنمية الاجتماعية كإنشاء الحدائق العامة والأماكن الترفيهية ورعاية كبار السن وتقديم مساكن نموذجية لغير القادرين على إيجاد مسكن، أو على أقل تقدير تخفيض الفوائد البنكية على القروض كرد جميل لهؤلاء المودعين الذين لا يأخذون أرباح مقابل ايداعاتهم؟ – مع أن قليل الربا وكثيره حرام – والجواب على ذلك:

أن غياب النص الذي يفرض على البنوك تلك المساهمة فضلاً عن ضعف عامل الحس الوطني الدافع للمساهمة في التنمية الاجتماعية لدى القائمين على البنوك مقابل تضخم حب الذات والجشع الذي ملأ قلوبهم وعيونهم فلم يعودوا يرون إلا مصالحهم علاوة على سكوت المودعين عن المطالبة بمثل هذه المساهمة كل ذلك جعل البنوك تعرض عن المساهمة والمشاركة في التنمية الاجتماعية، ولن تفعل أبداً هذا من ذاتها، لأن ليس هناك من يحاسبها أو يجبرها على ذلك.

ومن من الملاحظ أنه إذا أراد أحد عملاء البنك من ذوي الأرصدة الكبيرة سحب مبلغ كبير مثلاً فإن البنك يقيم الدنيا ولا يقعدها للحيلولة دون سحب ذلك المبلغ، وطرح البدائل لمحاولة إبقاء الرصيد دون سحب نقدية، وهنا لنتخيل لو قام جميع المودعين صباح ذات يوم ووقفوا في طوابير طويلة أمام البنوك طالبين سحب جميع أرصدتهم مهما كانت كبيرة أو صغيرة فكيف تتعامل هذه البنوك مع هذه الحالة.؟! في تصوري أن الأمر حينئذ لا يخرج عن ثلاث احتمالات.

1- الأمر الأول أن تقوم البنوك بإقفال أبوابها في وجوههم وتطردهم وتعلق لوحة على باب البنك أعلى ما في خيلكم أركبوه!
2- أن تطلب البنوك مهلة من المودعين حتى يتم جلب قروض من البنك المركزي أو البنوك الخارجية أو بيع الديون وهذه كلها عملية صعبة من نواحي كثيرة فضلاً عن أنها تستغرق زمناً من المفاوضات قد لا يرضي المودعين فهم يريدون أموالهم في الحال.
3- التصور الثالث، أن تقوم البنوك بمفاوضة المودعين بإبقاء النقدية على أن يشاركوها في الأرباح.

وهذا الاقتراح ربما يمكن القبول به من كثير من المودعين وهو يتفق أيضاً والعدالة، فالبنك يقوم بالمتاجرة والإقراض من خلال الإيداعات الخاصة بالمواطنين، ومن ثمّ فللمودعين الحق في تقاضي ربح عن مدخراتهم، وبخاصة أن بعضهم يملك مدخرات كبيرة تحقق أرباحاً مجزية للبنك ومن ثم فمشاركة المودعين مع البنك في الأرباح أمر سائغ طالما أن البنك نفسه يستثمر هذه الإيداعات.

وهناك تجربة لأحد البنوك المحلية فقد أعلن عن مشاركة أي مودع في البنك في الأرباح بطريقة معينة ولا أعلم مدى تطبيقها فعلياً. فإذا كان ذلك يمكن حدوثه فلماذا لا تعمل به جميع البنوك طالما أنها أعرضت عن المساهمة في تقديم الخدمات والتنمية الاجتماعية.

في اعتقادي أن مجلس الشورى لو تبنى قراراً بإلزام البنوك بدفع نسبة من الأرباح يتم توجيهها لمشاريع اجتماعية تنموية من مباني مدارس وطرق ومستشفيات وشبكات صرف صحي وتقديم قروض للمواطنين بدون فوائد وغيرها من المشاريع التنموية والاجتماعية وفي اعتقادي أن هذه المشاركة ستوفر مبالغ كبيرة جداً على ميزانية الدولة فيستفيد منها القطاع العام في تنفيذ خططه التنموية.

وبذلك تساهم البنوك كثيراً في رفع معدل مستوى المعيشة والتنمية الاجتماعية في المدن والمحافظات بل والقرى والهجر، ويرفع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى