الإدارية تختص بدعاوى المهن الصحية

أحوال – عبد الله صالح الكناني
المحكمة الإدارية العليا تقر مركزية ديوان المظالم في قضايا المهن الصحية.. خطوة جديدة في مسار التحول القضائي وتوحيد الاختصاص
في إطار الجهود المتواصلة التي تبذلها المملكة العربية السعودية لتعزيز كفاءة منظومة القضاء وتطوير بنيته المؤسسية والتشريعية، عقدت الهيئة العامة للمحكمة الإدارية العليا اجتماعها برئاسة رئيس المحكمة الإدارية العليا فضيلة الشيخ علي بن سليمان السعوي، حيث أصدرت قرارها رقم (1) لعام 1447هـ، القاضي بأن يكون الاختصاص بنظر التظلمات من قرارات لجنة النظر في المخالفات الناشئة عن تطبيق نظام مزاولة المهن الصحية معقودًا للمحاكم الإدارية التابعة لديوان المظالم، وذلك ابتداءً.
ويُعد هذا القرار محطة مفصلية في مسار القضاء الإداري في المملكة، إذ يؤكد الدور الأصيل للمحاكم الإدارية في نظر المنازعات المتعلقة بالقرارات الإدارية الصادرة عن الجهات واللجان المختصة، وخاصة تلك التي تمس قطاعًا بالغ الأهمية والحساسية، كقطاع المهن الصحية، الذي يُعد أحد أعمدة منظومة الخدمات الأساسية في الدولة، ويرتبط ارتباطًا مباشرًا بصحة الإنسان وسلامته.
ترسيخ لمبدأ التقاضي على درجتين
ويأتي قرار الهيئة العامة للمحكمة الإدارية العليا تأكيدًا لمبدأ التقاضي على درجتين، حيث يُتاح للمتظلمين عرض منازعاتهم ابتداء أمام المحكمة الإدارية المختصة، ثم الطعن على أحكامها أمام محاكم الاستئناف الإدارية، وصولًا إلى المحكمة الإدارية العليا وفق الضوابط النظامية. ويعزّز ذلك من ضمانات العدالة، ويكرّس مبدأ الإنصاف، ويرفع من مستوى الرقابة القضائية على القرارات الإدارية ذات الأثر المباشر في حياة الأفراد والمؤسسات.
توحيد المبادئ القضائية وتعزيز الاستقرار النظامي
كما يجسّد القرار نهج المحكمة الإدارية العليا في توحيد المبادئ القضائية وتحديد الاختصاصات بشكل واضح ودقيق، بما يسهم في تعزيز جودة العمل القضائي، والحدّ من تباين الاجتهادات، وضمان اتساق الأحكام في القضايا المتشابهة، لا سيما تلك المرتبطة بتطبيق نظام مزاولة المهن الصحية والأنظمة ذات العلاقة.
ويعكس هذا التوجه حرص الجهات القضائية العليا على إرساء بيئة تشريعية مستقرة، تضمن الوضوح في تحديد الجهات المختصة بنظر المنازعات، وتُسهم في تسريع الفصل في القضايا، وتخفيف التداخل بين الجهات شبه القضائية والقضائية.
ديوان المظالم.. مسيرة تطور متسارعة
ويُعد ديوان المظالم أحد أعرق المؤسسات القضائية في المملكة، حيث تعود جذوره إلى عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – وقد شهد خلال العقود الماضية مراحل متعددة من التطور، تحوّل خلالها من جهة ذات طابع رقابي عام إلى مؤسسة قضائية متكاملة تختص بنظر الدعاوى الإدارية، وتعمل وفق أنظمة وإجراءات حديثة ومنظمة.
ومع صدور نظام ديوان المظالم الجديد، جرى تطوير هيكله القضائي ليشمل:
- المحاكم الإدارية (الدرجة الأولى)
- محاكم الاستئناف الإدارية (الدرجة الثانية)
- المحكمة الإدارية العليا (المرجعية العليا)
وقد أسهم هذا التطوير في رفع كفاءة العدالة الإدارية، وتوسيع نطاق اختصاصها، وربطها بالتحول الرقمي الشامل الذي تشهده المنظومة العدلية، بما في ذلك:
- التحول إلى التقاضي الإلكتروني
- رقمنة الجلسات والمذكرات
- إطلاق منصات للترافع عن بُعد
- تسريع إجراءات القيد والنظر والفصل
قفزات نوعية في المحاكم الإدارية
وخلال السنوات الأخيرة، حققت المحاكم الإدارية قفزات متسارعة في الأداء والإنتاجية وجودة الأحكام، بفضل دعم القيادة الرشيدة ورؤية المملكة 2030، التي وضعت تطوير القطاع العدلي ضمن أولوياتها الاستراتيجية.
وساهم ذلك في:
- تقليص متوسط زمن التقاضي
- رفع مؤشرات رضا المستفيدين
- تمكين القضاة بالأنظمة والتقنيات الحديثة
- رفع مستوى التدريب والتأهيل القضائي التخصصي
ويأتي هذا القرار الجديد امتدادًا طبيعيًا لمسيرة التحديث، وترجمة عملية لرؤية تسعى إلى عدالة متخصصة، دقيقة، وذات كفاءة عالية.
أثر القرار على قطاع المهن الصحية
ويمثّل إسناد النظر في هذه الدعاوى للمحاكم الإدارية بديوان المظالم تحولًا مهمًا في الحوكمة القانونية لقطاع المهن الصحية، إذ يوفّر بيئة قضائية متخصصة، تمنح الثقة للممارسين الصحيين والمنشآت الطبية، وتُعزز في الوقت ذاته الرقابة النظامية، بما يصب في نهاية المطاف في مصلحة المريض والمجتمع والقطاع الصحي ككل.
كما يبعث القرار برسالة واضحة مفادها أن المملكة تمضي بثبات نحو:
- ترسيخ سيادة القانون
- ضمان الحقوق
- حماية الممارسات المهنية
- تعزيز الثقة في القضاء الإداري
خلاصة القول:
إن قرار الهيئة العامة للمحكمة الإدارية العليا لا يمثل مجرد تحديد اختصاص، بل يُجسد رؤية استراتيجية شاملة لبناء منظومة قضائية أكثر كفاءة، وأكثر وضوحًا، وأكثر عدالة. وهو خطوة جديدة في مسيرة ديوان المظالم الطويلة، التي امتدت لعقود، وانتقلت فيها من التقليدية إلى الريادة الرقمية والتخصص المؤسسي، في انسجام تام مع تطلعات القيادة ومستهدفات رؤية السعودية 2030.
ويؤكد هذا القرار أن القضاء الإداري في المملكة ماضٍ بثقة في أداء رسالته، حارسًا للحقوق، وضامنًا للعدالة، ورافدًا أساسيًا لمسيرة التنمية والتنظيم في مختلف القطاعات، وعلى رأسها القطاع الصحي.



