رمضان

رمضان… حين تتجلّى الروح ويزهر الزمن

Listen to this article

أحوال – بقلم الاستاذ :- يوسف حسين أبوملحه

يأتي شهر رمضان المبارك كل عام كنسمةٍ ربّانيةٍ تُعيد ترتيب الفوضى داخل النفس، وتغسل عن القلب ما علق به من غبار الأيام. إنه ليس مجرّد شهرٍ في التقويم الهجري، بل محطة إيمانية كبرى تتجدّد فيها المعاني، وتتعمّق فيها الصلة بين العبد وربّه، وتسمو فيها الروح فوق مشاغل الحياة وضجيجها.

رمضان هو شهر القرآن؛ الشهر الذي ابتدأ فيه نزول كلام الله على النبي محمد، ليكون نورًا وهدايةً للناس أجمعين. وفي هذا الارتباط الوثيق بين القرآن ورمضان تكمن سرّ خصوصيته؛ إذ يتحوّل الشهر إلى موسمٍ للعودة إلى الكتاب الخالد تلاوةً وتدبّرًا وعملاً، فيغدو القرآن رفيق السَّحر، وأنيس التراويح، ومصدر الطمأنينة في ليالي الإيمان.

الصيام في رمضان ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو ارتقاءٌ في مدارج التزكية، وتحرّرٌ من أسر الشهوات، وانضباطٌ يعلّم الإنسان كيف يقود رغباته بدل أن تقوده. إنه تدريبٌ عمليّ على الصبر، وممارسة يومية لمعنى التقوى الذي جعله الله الغاية الأسمى من هذه العبادة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. في ساعات الصيام الطويلة تتجلّى حقيقة الافتقار إلى الله، ويتعاظم الشعور بالامتنان لنِعَمه، ويتعمّق الإحساس بمعاناة المحتاجين، فتتحوّل الرحمة إلى سلوك، والعطاء إلى قيمةٍ راسخة.

ومع غروب كل شمس، حين تتعالى تكبيرات المغرب، تتجسّد صورةٌ فريدة من صور الوحدة الإنسانية؛ تجتمع الأسر حول موائد الإفطار، وتُرفع الأكفّ بالدعاء، ويشعر الصائم بلحظة امتنانٍ صادقة لا تُشبه سواها. إنها لحظة انتصارٍ هادئ على الذات، وفرحةٌ مشروعة بطاعةٍ أُدّيت كما ينبغي.

أما ليالي رمضان، فهي عالمٌ آخر من السكينة والضياء. في صلاة التراويح، وفي السجود الطويل، وفي خلوات السَّحر، تتجدّد العهود وتُسكب الدموع وتُستجاب الدعوات. وتبقى العشر الأواخر ذروة الرحلة الروحية، حيث يتحرّى المؤمنون ليلة القدر، الليلة التي هي خيرٌ من ألف شهر، فيرتفع فيها الدعاء ويعظم الرجاء وتصفو القلوب.

رمضان أيضًا موسمٌ اجتماعيّ بامتياز؛ فيه تتقارب القلوب، وتُصلح ذات البين، وتتضاعف مبادرات التكافل. تمتدّ موائد الخير إلى الفقراء والمحتاجين، وتتعاظم الصدقات، وتتحوّل المجتمعات إلى لوحاتٍ من التضامن والتراحم. إنه شهرٌ يُذكّر الناس بأن الإنسانية ليست شعارًا، بل ممارسة يومية تُترجم في العطاء والصفح وحسن المعاملة.

ومع اقتراب ختام الشهر، يقف المؤمن وقفة مراجعةٍ وتأمّل: ماذا تغيّر في داخله؟ وما الذي اكتسبه من هذا الموسم العظيم؟ فإن كان قد خرج بقلبٍ أنقى، ونفسٍ أصفى، وعزيمةٍ أصلب على الطاعة، فقد نال من رمضان جوهره الحقيقي.

إن رمضان ليس أيامًا تُعدّ وتنقضي، بل تجربةٌ تتجدّد كل عام لتعيد للإنسان توازنه، وتذكّره بحقيقته، وتفتح أمامه أبواب الأمل. إنه زمنٌ تُزهر فيه الروح، وتعلو فيه القيم، ويتجلّى فيه معنى العبودية في أبهى صورها.

نسأل الله أن يجعل رمضان محطة نورٍ في دروبنا، وأن يكتب لنا فيه القبول والغفران، وأن يعيده علينا أعوامًا عديدة ونحن في أمنٍ وإيمانٍ وسلام

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى