مقالاتيوم التأسيس

زوايا هادئة

Listen to this article

أ. هدى صالح

في يوم التأسيس، الذي يوافق الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، تستحضر المملكة العربية السعودية ذكرى امتدادها التاريخي العريق منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى عام 1727م على يد الإمام محمد بن سعود – رحمه الله -، وتتعالى الأعلام خفّاقة، وترتفع الأصوات ابتهاجًا، وتمتلئ القلوب فخرًا وانتماءً.

غير أنّ في زوايا هادئة من هذا الوطن، ثمة مشاعر لا تُعلن بصوت عالٍ، ولا تعبّر عنها الهتافات، لكنها لا تقل صدقًا وعمقًا. هناك يقف أطفال لا يجيدون التعبير بالكلمات، ولا ينسجمون مع ضجيج الاحتفالات، لكنهم يحملون في داخلهم وطنًا كاملًا.. إنهم أطفال التوحد.

هؤلاء الأطفال قد لا يهتفون باسم الوطن، لكنهم يتذوقون معناه بطريقتهم الخاصة.
قد لا يكتبون عبارات الفخر، لكن قبضاتهم الصغيرة حين تضم العلم الأخضر إنما تحتضن رمزًا يتجاوز اللون والشعار، ليصبح شعورًا بالأمان والانتماء.

لن يمر يوم التأسيس عليهم يومًا عابرًا، حتى وإن بدا احتفالهم مختلفًا. فمشاعرهم لا تُقاس بعلو الصوت، ولا يُقاس حبهم للوطن بقدرتهم على المشاركة في الطقوس الجماعية. قد يظل الفرح ساكنًا في أعماقهم، حبيس لغة لا يسمعها كثيرون، لكنه حاضرٌ في نظراتهم، وفي ابتسامة خجولة، وفي ارتباك جميل أمام مشهد الأعلام والألوان.

أطفال التوحد لا يفتقدون حب الوطن، بل لعلنا نحن من نفتقد القدرة على قراءة هذا الحب في عيونهم. فهم يشعرون بالوطن كدفءٍ غامض، وكطمأنينة تتسلل إلى أرواحهم، وكضوءٍ أخضر يستقر في ذاكرتهم دون ضجيج.

الوطن ليس حكرًا على من يتكلم، ولا على من يجيد التعبير والخطابة.
الوطن يسكن القلوب قبل الكلمات، ويقيم في الشعور قبل الشعارات.
الوطن لمن يحبّه، حتى لو كان حبه همسًا لا يُسمع، ونبضًا لا يُرى إلا بعين الرحمة والفهم.

في يوم التأسيس، نحتفل جميعًا بتاريخ وطنٍ عريق، لكننا نتعلم أيضًا أن الانتماء أوسع من الصورة النمطية، وأن الفخر يمكن أن يُعبَّر عنه بطرق متعددة. فكما يتسع الوطن للجميع، تتسع معانيه لكل قلبٍ ينبض به، مهما اختلفت طريقته في التعبير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى