تمثل حرية الملاحة في المضائق الدولية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، حجر الزاوية في استقرار الاقتصاد العالمي، حيث تعبر من خلالها شرايين الطاقة والتجارة التي تغذي الأسواق الدولية.. ولم تترك هذه الأهمية الحيوية دون تنظيم، إذ وضعت الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، إطارًا قانونيًا صارمًا يضمن استمرار تدفق الملاحة دون تعطيل أو تهديد.
فبموجب هذه الاتفاقية، وتحديدًا المواد (37–44)، يُكفل ما يُعرف بـ”حق المرور العابر”، الذي يتيح لجميع السفن والطائرات عبور المضائق الدولية بشكل مستمر وسريع، دون قيود أو عوائق. كما تحظر النصوص القانونية على الدول المشاطئة تعطيل هذا الحق أو تعليقه بأي شكل، ما يعني أن مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وملقا والبوسفور لا تخضع لسيادة مطلقة، بل لنظام دولي ملزم يحمي انسياب الملاحة فيها.
وفي هذا الإطار، تبدو الإجابة القانونية واضحة: لا يحق لأي دولة إغلاق مضيق دولي. فمثل هذا الإجراء يُعد خرقًا صريحًا لاتفاقية قانون البحار، وانتهاكًا للقانون الدولي العرفي، فضلًا عن كونه تهديدًا مباشرًا للأمن والسلم الدوليين. ويقتصر دور الدول المشاطئة على تنظيم الملاحة من حيث السلامة والبيئة، دون أن يمتد ذلك إلى منعها أو تعطيلها.
ورغم أن الاتفاقيات الدولية لا تنص على عقوبات رقمية محددة، فإنها تفتح الباب أمام سلسلة من الإجراءات الصارمة، تبدأ بالمساءلة أمام المحاكم الدولية المختصة، وقد تصل إلى فرض عقوبات من مجلس الأمن، بل وربما اتخاذ تدابير دولية لحماية حرية الملاحة. وفي توصيفات قانونية عدة، قد يُنظر إلى إغلاق المضائق باعتباره “عدوانًا اقتصاديًا” يهدد استقرار التجارة العالمية.
اقتصاديًا، فإن إغلاق أي مضيق حيوي، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط، من شأنه أن يشعل موجة اضطرابات عالمية، تبدأ بارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وتمتد إلى تعطّل سلاسل الإمداد، وتأخير آلاف السفن، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري. ولا تقف التداعيات عند هذا الحد، بل تنعكس مباشرة على أسعار الغذاء والسلع الأساسية، لتصل آثارها إلى كل منزل في العالم.
وفي خضم هذه المعادلة، يبقى المتضرر الأكبر هو المواطن العادي، سواء في الدول المتقدمة أو النامية، إذ يتحمل تبعات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. كما تتضرر بشكل أكبر الدول الفقيرة المعتمدة على استيراد الطاقة، ما يفاقم التحديات الاقتصادية والمعيشية فيها.
خلاصة القول، إن حرية الملاحة في المضائق الدولية ليست خيارًا سياسيًا يمكن التلاعب به، بل التزام قانوني راسخ يحكمه النظام الدولي. وأي محاولة لتعطيله لا تمثل فقط خرقًا قانونيًا، بل تشعل سلسلة من الأزمات الاقتصادية التي يدفع ثمنها العالم بأسره، لتبقى الشعوب هي الحلقة الأضعف في معادلة الصراع.