*في رمضان* لا نتوقف فقط عن الطعام والشراب، بل نتوقف — ولو بوعي أكبر — عن كثير مما اعتادت عليه حواسنا. *ثلاثون يومًا من الانقطاع المتكرر عن المثيرات كفيلة بأن تعيد تشكيل النفس، وتفتح لها بابًا لعادات أرقى وأصفى.*
*فما تراه العين مرة بعد مرة، وما تسمعه الأذن باستمرار، لا يمرّ بلا أثر؛ بل يعيد تشكيل المشاعر، ويغيّر الاستجابة، ويصوغ الآمال.* النفس تتطبع على ما تستقبل، وتتشكل على ما تألف. لذلك يبدأ صلاح الباطن من حيث يظنّ البعض أنه أمرٌ بسيط : *من حراسة الحواس قبل أن تمتد، ومن ضبط المداخل قبل أن تتسرب منها الفوضى.*
ولهذا كان القرآن دقيقًا حين قال: *{إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰۤئكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولࣰا}.* وكأن الحواس كائنات عاقلة تُسأل، لأنها طريق العقل ومنافذه.
*ومع التكرار، يبهت أثر المنكر في القلب، وتضعف حساسيته تجاهه.* وقد لخّص النبي ﷺ هذا المعنى ببلاغة حين قال: *«إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نكتة سوداء».* إنها ليست قفزة واحدة، بل تراكم بطيء يغيّر الداخل دون أن نشعر.
ولهذا امتدح الله عباده بقوله: «وإذا مرّوا باللغو مرّوا كرامًا»؛ لا ينخرطون، لا يستغرقون، بل يمرون مرورًا يحفظ نقاءهم.
*إن إصلاح القلب لا يبدأ بخطوات ضخمة، بل بعادات صغيرة يومية:* ما نسمح لأعيننا أن تراه، وما نسمح لآذاننا أن تسمعه، وما نسمح لقلوبنا أن تنشغل به. وبقدر ما تصفو المداخل… يصفو الداخل منقول.



