اليوم السابع عشر / ومضة
من أقنعكم أن امتلاء الجداول هو غاية رمضان،
وأن كثرة الختمات وحدها هي معيار القبول،
وأن العدّاد المرتفع يعني قلبًا مرتفعًا.
ليس لأن الكثرة خطأ…
بل لأن الكثرة بلا تحوّل خداع.
نعم… السلف كانوا يكثرون.
لكنكم أخذتم “العدد”… وتركتم “الحال”.
أخذتم سرعة القراءة…
وتركتم خوف القبول.
أخذتم طول القيام…
وتركتم لين القلب.
أخذتم ذكر الألوف…
وتركتم مراقبة الخلوات.
السلف لم يكونوا يملأون جداولهم…
كان الإيمان يفيض منهم… فامتلأت الجداول.
الفرق دقيق جدًا:
هم تغيّروا… فكثروا.
نحن نكثر… علّنا نتغيّر.
هم كانت العبادة تزلزلهم.
ونحن صارت العبادة تطمئننا عن أنفسنا.
يخرج أحدنا من رمضان:
ختم عشر مرات.
صلى آلاف الركعات.
ذكر ملايين المرات.
ثم يعود إلى نفس الغضب…
نفس القسوة…
نفس الخصومة…
نفس التعلّق…
نفس الكِبر الخفي.
إذن أين الخلل؟
الخلل ليس في الكثرة.
الخلل أن العبادة لم تتحول إلى مواجهة.
قرأ… لكنه لم يقف عند آيةٍ تحاكمه.
قام… لكنه لم يُسقط عادةً واحدة.
صام… لكنه لم ينقل ضبط الجوع إلى ضبط لسانه.
الخلل أن العبادة صارت أداءً… لا اقتحامًا.
رمضان ليس موسم إنجازات.
رمضان موسم اهتزاز.
لو خرجت من رمضان مرتاحًا عن نفسك جدًا…
فاسأل: هل دخلت المعركة أصلًا؟
التقوى لا تُقاس بعدد الصفحات،
بل بعدد القرارات.
لا بعدد الركعات،
بل بعدد الانكسارات الصادقة.
لا بعدد الأذكار،
بل بعدد المرات التي أمسكت فيها نفسك قبل أن تؤذي.
الكثرة جميلة…
لكنها وسيلة.
أما الغاية فهي أن لا تعود الشخص نفسه.
فإن عدت كما كنت…
فالمشكلة ليست في قلة العبادة…
بل في طريقة العبادة.
رمضان لا يريد جدولًا ممتلئًا فقط…
يريد قلبًا مُعاد تشكيله.
وهنا يبدأ الصدق..!
نقلتها للفائدة



