سيرة رجل اجتمع عليه الناس محبةً ومهابةً في لحظات الرحيل الكبرى، لا تُقاس قيمة الرجال بعدد الأعوام التي عاشوها، بل بمقدار الأثر الذي يتركونه في القلوب، وبحجم الفراغ الذي يخلِّفه غيابهم في الوجدان والمجالس والميادين. وحين غادر الشيخ المربي والوجيه المصلح يحيى خضران الزروق ـ رحمه الله ـ هذه الدنيا، لم يكن المشهد مجرد وداع عابر لرجل عرفه الناس، بل كان حدثًا إنسانيًا واجتماعيًا استثنائيًا، تجلت فيه مكانته الراسخة، وحضوره العميق في نفوس محبيه وأبناء مجتمعه.
لقد بدا العزاء مختلفًا بكل تفاصيله؛ ازدحام الحضور، وصدق المشاعر، وامتداد الوفود، وتلك الوجوه التي جاءت من أماكن متعددة لا لتؤدي واجب المواساة فحسب، بل وفاءً لرجل استطاع خلال حياته أن يغرس محبته في القلوب، وأن يترك في ذاكرة الناس من المواقف النبيلة ما جعل رحيله حديث الجميع. كان مشهدًا يختصر سيرة طويلة من البذل والإصلاح والمكانة الاجتماعية الرفيعة، ويؤكد أن الرجال الذين يعيشون للناس يظلون حاضرين حتى بعد الغياب. ينتمي الفقيد ـ رحمه الله ـ إلى أسرة عُرفت بالمكانة والوجاهة والعلم، بيتٍ توارث القيم الأصيلة جيلًا بعد جيل، فكان امتدادًا مشرِّفًا لذلك الإرث الاجتماعي العريق. وقد جمع في شخصيته بين الوقار والتواضع، وبين الحزم ولين الجانب، فكان قريبًا من الجميع على اختلاف أعمارهم ومكاناتهم، يستقبل الناس ببشاشة، ويمنحهم من حسن الحديث وكرم المعشر ما يجعل حضوره مميزًا في كل مجلس. ولم يكن حضوره الاجتماعي حضورًا شكليًا أو عابرًا، بل كان حضورًا مؤثرًا يصنع الفارق حيثما وُجد. عرفه الناس مصلحًا حكيمًا، يحمل عقل الكبار، ويتعامل مع القضايا بروح المسؤولية، حتى غدا اسمه مرتبطًا بجمع الكلمة، وتقريب النفوس، وإطفاء أسباب الخلاف. وكانت له هيبة تنبع من صدقه وعدالته واتزانه، لا من منصب أو جاه، لذلك حظي بقبول واسع واحترام راسخ بين الناس. كما عُرف ـ رحمه الله ـ بمواقفه الداعمة لكل ما يخدم المجتمع، فكان حاضرًا في ميادين الخير، مؤازرًا للمبادرات المجتمعية، ومساندًا للأعمال الخيرية، مؤمنًا بأن قيمة الإنسان الحقيقية فيما يقدمه لوطنه ومجتمعه. ومن المواقف التي ستبقى شاهدة على سعة صدره وكرمه، إتاحته قصره العامر في دوس للعديد من المناسبات والملتقيات التي تخدم المحافظة والقبيلة، ليظل ذلك المكان منارةً اجتماعيةً تحتضن اللقاءات الجامعة، وتعكس صورة التلاحم والترابط بين أبناء المجتمع. وعلى المستوى الشخصي، فقد كان ـ رحمه الله ـ صديقًا لوالدي ـ رحمه الله ـ وقد لمست منه منذ سنواتي المبكرة ذلك التعامل الأبوي النبيل، والتوجيه الصادق، والاحتواء الراقي الذي يترك أثره في النفس دون تكلف. كان حديثه يحمل طمأنينة الكبار، ونصحُه يأتي بلغة المحبة والحرص، ولذلك بقيت صورته في الذاكرة مرتبطة بالأدب الرفيع، وحسن الخلق، والنبل الإنساني. إن اجتماع الناس بهذا المشهد اللافت في عزائه لم يكن أمرًا اعتياديًا، بل كان انعكاسًا طبيعيًا لرجل استطاع أن يترك بصمة صادقة في حياة الآخرين. فبعض الشخصيات تمر في الحياة مرور الأسماء، بينما هناك رجال يتحول حضورهم إلى قيمة اجتماعية وإنسانية راسخة، ويصبح غيابهم حدثًا يشعر به الجميع. وهكذا كان أبو ناصر ـ رحمه الله ـ؛ رجلًا اتسعت له القلوب قبل المجالس، وحمل الناس له تقديرًا ومحبةً نابعين من القناعة، لا من المجاملة. لقد رحل الجسد، غير أن السيرة المضيئة تبقى أطول عمرًا من الغياب، وتظل المواقف الكريمة شاهدةً على أصحابها مهما امتد الزمن. وسيبقى اسم يحيى خضران الزروق حاضرًا في ذاكرة زهران ودوس، مرتبطًا بالحكمة، والخلق، والإصلاح، والوفاء، وهي القيم التي لا تصنعها الكلمات بقدر ما تصنعها حياة كاملة من العطاء. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يفيض عليه من عفوه ورضوانه، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، ويلهم أسرته وذويه ومحبيه جميل الصبر وعظيم الأجر. رحمه الله، ورحم والدي، وجميع أموات المسلمين، وجعلهم في جنات النعيم، وأحسن لهم الجزاء، ورفع درجاتهم في عليين، إنه ولي ذلك والقادر عليه
#يحيى_خضران_الزروق
#زهران
#دوس