في مشهد يعكس تصاعد وتيرة العنف والتوتر داخل إيران، تكشف تقارير حديثة تفاصيل صادمة عن أحداث دامية شهدتها مدينة رشت خلال الاحتجاجات، حيث امتزجت ألسنة اللهب في الأسواق بصوت الرصاص في الشوارع. ووفق ما نشرته “إيران إنترناشيونال”، فإن تلك الأحداث لم تكن مجرد اضطرابات عابرة، بل حملت في طياتها روايات مروعة عن انتهاكات وسقوط ضحايا، ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة ما جرى وحجم الخسائر الحقيقية سنجدها بالموضوع التالي.
بناءً على معلومات وروايات شهود عيان، أودت قوات الأمن بحياة مئات الأشخاص لقمع الاحتجاجات الأخيرة في مدينة “رشت”، شمال إيران، وذلك عبر إطلاق النار المباشر على المواطنين، ومحاصرتهم داخل سوق المدينة (البازار) أثناء اندلاع حريق فيه، ومنع وصول طواقم الإغاثة والإنقاذ إليهم.
وتسعى “إيران إنترناشيونال”، من خلال حملة شعبية إلى تسجيل وتوثيق الحقيقة بشأن مجازر شهر يناير (كانون الثاني) الماضي في مدينة رشت. إذا كنتم شهود عيان على أحداث تلك الليالي، أو من عائلات وأقارب الضحايا الذين سقطوا في هذه المدينة، نرجو منكم مشاركة رواياتكم ومعلوماتكم معنا عبر روبوت الدردشة الخاص بـ “إنتل ميديا”، والمساهمة في الكشف عن أبعاد هذه المجزرة.
وخلال الاحتجاجات، اندلعت النيران في أجزاء من سوق رشت القديم، بما في ذلك سوق بائعي الكتب، وسوق “طاقي”، وسوق النحاسين (مسكران). وقال أحد شهود العيان لـ “إيران إنترناشيونال” إن قوات القمع الأمني اقتادت المتظاهرين إلى مناطق ذات مداخل ومخارج محدودة ومعلومة، وبعد محاصرتهم، اندلعت الحرائق في تلك النطاقات المحددة ذاتها.
حصار وسط النيران
وبحسب هذا الشاهد، كانت رائحة الحريق والدخان والرماد شديدة لدرجة أن سماء رشت ظلت مغطاة بسحب من الدخان حتى ساعات الصباح الأولى، وكانت رائحة الاحتراق تفوح بقوة في أجزاء واسعة من المدينة.
وتشير الروايات إلى أن الاحتجاجات في رشت بدأت يوم الأربعاء، 7 يناير الماضي، بتجمع المواطنين في السوق؛ حيث تجمع المتظاهرون أولاً في السوق وطلبوا من أصحاب المحال التجارية إغلاق محالهم، ثم تحركت الحشود نحو ميدان البلدية (شهرداري). وبعد دخول قوات التعبئة (الباسيج)، تفرقت الحشود لفترة وجيزة، لكن التجمعات عاودت التشكل منذ مساء ذلك اليوم في ساحة “سبزه ميدان” ومحيط شارع “بيستون”.
وذكر شاهد عيان أن عدد المتظاهرين في “سبزه ميدان” كان يتراوح في البداية بين ألف وألفي شخص، لكنه تزايد تدريجيًا. وأضاف أن قوات “الباسيج” كانت مرتبكة في البداية، لأن المتظاهرين كانوا يرددون الشعارات بشكل متفرق في نقاط مختلفة، وحينما كانت القوات تتحرك نحو نقطة معينة، كان تجمع آخر يتشكل في مكان آخر.
حشود تتدفق من كل حدب وصوب
اندلعت الاحتجاجات، يوم الخميس 8 يناير الماضي، بشكل متزامن في نقاط مختلفة من مدينة “رشت”، والتحمت معًا في الشوارع المركزية.
وقال شاهد عيان لـ “إيران إنترناشيونال” إن حشودًا غفيرة كانت موجودة في الشوارع الممتدة من تقاطع “توتونكاران” حتى ميدان البلدية. ووصف الشاهد حجم الحشود في شارع “إمام” ومحيط ميدان البلدية بعشرات الآلاف، مشيرًا إلى أن الاحتجاجات لم تقتصر على الشوارع الرئيسية، بل امتدت لتشمل الأحياء والأزقة الفرعية.
ووفقًا له، عندما تزايدت الأعداد وأصبحت للمتظاهرين الغلبة في بعض أجزاء المدينة، تدخلت قوات القمع بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي. وأفاد شهود بأن قوات القمع أغلقت طرق تراجع الحشود من عدة جهات، واقتحمت الأزقة المحيطة وبدأت بإطلاق النار على المتظاهرين.
وطبقًا للمعلومات الواردة، جرى إطلاق نار مكثف على المتظاهرين في ميدان “غاز”، وشارع “معلم”، وميدان البلدية، و”سبزه ميدان”، وشارع “شريعتي”، والطرق المحيطة بالسوق. وتُظهر الروايات أنه بعد الساعة 10.30 مساءً (بالتوقيت المحلي)، ومع دخول قوات الحرس الثوري، تصاعدت حدة القمع وبدأ إطلاق النار المباشر بالأسلحة الحربية.
كأنهم جاؤوا للصيد
وصف أحد المشاركين في تجمع 8 يناير الماضي بمدينة رشت الوضع قائلاً: “في الساعات الأولى، كان القمع بيد قوات الباسيج غالبًا؛ ولكن في حدود الساعة 10.30 ليلاً دخل الحرس الثوري مدججًا ببنادق الكلاشينكوف. كان العنصر الأول يقود الدراجة النارية بينما يقوم العنصر الجالس في الخلف بالتصويب والإطلاق.. كأنهم جاؤوا للصيد. معظم القتلى في رشت سقطوا بدءًا من تلك الساعة”.
وبحسب قوله، كانت القوات تستهدف على وجه الخصوص الفتيان والشبان، وفي بعض الحالات، كانوا يطلقون النار على زجاج السيارات لإجبار السائقين على اختراق الحواجز بالشوارع لفتح الطريق أمام قوات القمع.
عندما وصلت النيران إلى السوق
بدأ الحريق في منطقة سوق رشت في الوقت الذي كانت فيه القوات الأمنية في مختلف نقاط المدينة لقمع المواطنين.
ووفقًا للروايات الواردة، فقد بدأ الحريق من محيط شارع “شريعتي” وبالقرب من مسجد “الحاج مجتهد”، وبسبب الكثافة العالية للمحلات في السوق، انتشرت النيران بسرعة إلى الأجزاء الأخرى. وقال شهود إنه خلال عمليات القمع، دُفعت مجموعة من الناس الذين كانوا يحاولون الفرار من إطلاق النار وهجوم القوات نحو سوق رشت؛ وهو سوق يتميز بأزقته الضيقة ومخارجه المحدودة.
وذكر هؤلاء الشهود أن عناصر الأمن أغلقوا مخارج السوق من الجهتين، وبعد ذلك التهمت النيران أجزاءً منه. وبحسب الروايات التي وصلت إلى “إيران إنترناشيونال”، وجد المتظاهرون والمواطنون المحاصرون في السوق أنفسهم أمام خيارين كليهما مر: إما البقاء وسط الدخان والنيران، أو محاولة الخروج من السوق والتعرض لإطلاق النار من قِبل القوات الأمنية.
وقال شهود إن عددًا ممن لقوا حتفهم في محيط السوق استُهدفوا بالرصاص أثناء محاولتهم الفرار، بينما حوصر آخرون وسط الدخان والنيران. وكان جزء من القتلى في منطقة السوق من أصحاب المحلات الذين دخلوا لإخلاء بضائعهم وإنقاذ ممتلكاتهم، لكنهم حوصروا جراء النيران وإغلاق الطرق.
وقال شاهد عيان في رشت لـ “إيران إنترناشيونال” إنه في حدود الساعة 2.30 فجرًا (بالتوقيت المحلي) وبعد عودة خطوط الهاتف للعمل، وردت أنباء تفيد بأن سوق رشت يحترق: “توجهت برفقة عدة أشخاص نحو السوق ورأينا العديد من الخانات (القفار) القديمة تحترق. كان الناس يحاولون سحب البضائع من المحلات التي اقتربت منها النيران”.
وتابع واصفًا الوضع: “الجميع كان إما مشغولاً بالمساعدة أو يجهش بالبكاء. أحد الكسبة الذين احترق محله بكل ما فيه من بضائع كان يصرخ: “شقا عمري ضاع”. وفي المكان ذاته، بدأ عدة أشخاص الهتاف ضد خامنئي”.
أوامر لرجال الإطفاء بعدم إخماد النيران
بناءً على المعلومات الواردة، لم تتمكن سيارات الإطفاء في الساعات الأولى من الحريق من دخول منطقة السوق بشكل كامل، ووصلت أولى السيارات بتأخر دام عدة ساعات.
وقال أحد الشهود إن المواطنين كانوا يضربون بقبضاتهم على هيكل إحدى سيارات الإطفاء ويطالبون السائق بالدخول السريع إلى السوق والسيطرة على الحريق، لكن سائق سيارة الإطفاء الذي توقف بالقرب من المحلات قال: “لديّ أوامر بالوقوف هنا فقط. لا يسمحون لي بالمرور أكثر من ذلك.. مهمتي تنتهي هنا”.
كما وصلت روايات إلى “إيران إنترناشيونال” تفيد بأن الأجهزة الأمنية، بما في ذلك دائرة الاستخبارات واستخبارات الحرس الثوري، أمرت رجال الإطفاء بعدم التدخل لإخماد الحريق في الوقت الحالي.
وقال شهود إن بعض المتظاهرين استُهدفوا بالرصاص أثناء فرارهم من منطقة السوق، بينما حوصر آخرون وسط الدخان والنيران. وفي فجر الجمعة، أغلقت القوات جزءًا من ميدان البلدية عند بداية شارع “سعدي”. وحسب الروايات، جُمعت جثامين عدد من المتظاهرين في ذلك الموقع ثم نُقلت بواسطة سيارات بيك-أب من طراز “نيسان”.
إطلاق نار عشوائي على المتظاهرين
في مساء يوم الجمعة 9 يناير الماضي اتخذ عنف قوات القمع أبعادًا أوسع؛ حيث كانت الحشود في الشوارع أقل عددًا، وكانت القوات تطلق النار دون إنذار مسبق على أي تجمع يضم بضعة أشخاص.
وكان شارع “مطهري”، وشارع “معلم”، والأزقة المحيطة من بين المناطق التي أفاد شهود بوجود آثار دماء على طرقها وتعرضها لإطلاق نار مباشر. وقال أحد الشهود: “لم يعد هناك إنذار، ولا غاز مسيل للدموع، ولا هراوات. فقط إطلاق نار مباشر بالأسلحة الحربية، حتى داخل الأزقة كان الإسفلت مخضبًا بالدماء”.
وبعد هذا القمع، سادت المدينة حالة من الصدمة وتناقل الأنباء عن مقتل وإصابة المتظاهرين. وفي الأيام التالية، كان المواطنون يتبادلون أخبار الضحايا في المتاجر والشوارع.
ووفقًا لأحد الشهود، شهد يوم الأحد 11 يناير الماضي حشودًا غفيرة في محيط مقبرة “باغ رضوان” في رشت، وامتدت طوابير السيارات في الطرق المحيطة لعدة كيلومترات. وأضاف أن أحد معارفه، الذي ذهب إلى المقبرة لحضور مراسم دفن أحد أقاربه، قال إنه جرى نقل مئات الجثامين إلى هناك في ذلك اليوم للتعرف على هوياتهم.
ضغوط مضاعفة من السلطة على العائلات المفجوعة
بحسب تصريحات الأهالي، لم تُسلَّم جثامين بعض القتلى إلا بعد أخذ تعهدات وتوقيعات؛ وهي تعهدات جرى الضغط على العائلات بموجبها للقبول بأن ذويهم قُتلوا على يد “عملاء لإسرائيل وأميركا”.
وتُظهر الروايات الواردة من رشت أن ما حدث خلال الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في هذه المدينة لم يكن مجرد قمع شوارع عادي، بل كان مزيجًا من إطلاق النار المباشر، وحصار المتظاهرين، وحريق هائل في السوق، وتأخير متعمد في عمليات الإنقاذ، ونقل سري للجثامين، وضغوط أمنية مكثفة على عائلات الضحايا.
وتدعو “إيران إنترناشيونال”، استمرارًا لحملتها الشعبية لتوثيق الحقيقة بشأن مجازر “رشت”، في شهر يناير الماضي، شهود العيان والعائلات وأقارب الضحايا لإرسال رواياتهم، وصورهم، ومقاطع الفيديو والمعلومات التي بحوزتهم، لكي لا تُدفن أسماء وقصص ضحايا رشت في غيابات الصمت والنسيان.