الرئيسية
اتفاقية مكة وقراءة التخوفات الإقليمية وأبعاد الردع الاستراتيجي

كتب رئيس التحرير صالح بن خميس الكناني
يُشكل الإعلان عن “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين المملكة العربية السعودية، وجمهورية تركيا، وجمهورية باكستان منعطفًا هيكليًا في الجيوسياسية الشرق أوسطية. ورغم الشكوك المبدئية التي تحيط بإمكانية تحويل التفاهمات إلى حلف عسكري ملزم بنفس آلية المادة الخامسة لحلف “الناتو”، إلا أن مجرد طرح هذا التكتل أثار ردود فعل تعكس تخوفًا وقلقًا صريحين لدى الأطراف الإقليمية المحورية.

وهنا يجب أن يدركه “الآخر” – أيّاً كانت الدولة التي تنظر إلى هذا الاتفاق بظنونٍ وتوقعاتٍ تعتقد أنه مُوجّه ضدها – أن هذه القراءات تجانب الحقيقة والواقع؛ فالاتفاقية تجسيدٌ إرادة سياسية مشتركة للدول الثلاث نحو صون الأمن والاستقرار الإقليمي، وليست أداةً للمغامرة أو التصعيد.
وقد تجلّى هذا المفهوم بوضوح في التوضيحات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية السعودية، والتي حددت الأطر الاستراتيجية للاتفاقية في النقاط التالية:
-
ليست تكتلاً طائفياً أو محبراً عسكرياً مغلقاً: الاتفاقية لا تمثل أي توجه لبناء محور عسكري طائفي أو مذهبي، كما أنها ليست مرتبطة بمساعٍ نووية أو الدخول في سباق تسليح إقليمي.
-
الحفاظ على الشراكات القائمة: لا تأتي هذه الخطوة على حساب علاقات المملكة الاستراتيجية والقوية على المستويات الخليجية والعربية والدولية.
-
الالتزام بسلامة الجوار: لا تشكل الاتفاقية تهديداً لأمن أي دولة في المنطقة، ولا تهدف إلى تصعيد التوتر بين أي دولتين.
-
احترام المواثيق والمعاهدات: لا تلغي هذه الاتفاقية أو تحل محل أي اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف قائمة بين هذه الدول أو مع الأطراف الأخرى من الدول والمنظمات الدولية.
وبذلك تؤكد هذه المحددات أن اتفاقية مكة تُشكل منظومة دفاعية استباقية غايتها حماية المقدرات الوطنية وتأمين الاستقرار، وليست مبادرة للهجوم أو سلب أدوار الآخرين.
إذ يحمل توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين المملكة العربية السعودية، وجمهورية تركيا، وجمهورية باكستان في رحاب مكة المكرمة وبجوار بيت الله الحرام، وعقب أداء قادة وزعماء القوى الثلاث صلاة الجمعة، دلالةً رمزية واستراتيجية فارقة. إن اختيار المكان والزمان يمنح الاتفاقية بُعداً روحيّاً وميثاقياً راسخاً يُسهم في تثبيت أركانها وجعلها عهداً متيناً يمتد تأثيره عبر عقود طويلة. ويُشكل هذا الإعلان منعطفًا هيكليًا في الجيوسياسية الشرق أوسطية؛ إذ أثار طرح هذا التكتل ردود فعل تعكس تخوفًا وقلقًا صريحين لدى الأطراف الإقليمية المحورية، وتحديدًا إيران وإسرائيل.
أولاً: أسباب قلق القوى الإقليمية
1. الموقف الإيراني: التقليل الظاهري والقلق الضمني
تُظهر تصريحات المسؤولين الإيرانيين (مثل تصريح عضو لجنة الأمن القومي بالبرلمان الإيراني إبراهيم رضائي: “اتفاقية ورقية لن تجلب الأمن”محاولة أولية لتقليل الأهمية الجيوستراتيجية للتحالف، لكنها تبطن قلقًا عميقًا يرتبط بالمرتكزات التالية:
-
تكسير أحادية الردع: اعتادت طهران على موازنة النفوذ أمام دول الخليج عبر استراتيجية “الحرب بالوكالة” والتفوق الميداني لوكلائها (مثل الحوثيين). دخول باكستان (الدولة النووية) وتركيا (صاحبة ثاني أكبر جيش في الناتو) في حلف دفاعي مباشر يُفقد إيران ميزة التهديد المنفرد.
-
تطويق الجغرافيا الإيرانية: التحالف يضم جيرانًا مباشرين لإيران من الشرق (باكستان) والشمال الغربي (تركيا) والجنوب الغربي (السعودية عبر الخليج)، مما يعني فرض حصار جيوسياسي يمنع تمدد مشروعها الإقليمي.
2. الموقف الإسرائيلي: خشية تغيير الموازين الكبرى
أفردت الصحافة العبرية (القناة 12، ومعاريف، ويديعوت أحرونوت) مساحات تحليلية موسعة، واصفة الاتفاقية بأنها تحالف يثير القلق ويجمع بين:
-
الثقل المالي واللوجستي والتكنولوجي الحديث (السعودية).
-
القوة التصنيعية والخبرة الميدانية (تركيا).
-
القدرة الردعية والنووية (باكستان).
وتخشى إسرائيل من أن يؤدي هذا التحالف إلى إيجاد ميزان قوة إسلامي سُني صلب قادر على فرض معادلات جديدة في ملفات الغاز، والملاحة البحرية، والقضية الفلسطينية، بعيدًا عن مظلة الهيمنة الإسرائيلية أو الأمريكية المباشرة.
ثانياً: دور الاتفاقية في ردع التهديدات الإيرانية (الملف الحوثي أنموذجًا)
تُمثل هذه الاتفاقية أداة ردع متعددة المستويات ضد التحركات الإيرانية عبر ذراعها الحوثي في اليمن، وذلك من خلال المرتكزات التالية:
-
الردع بالشرعية والتغطية النووية (معادلة باكستان):
وجود باكستان ضمن اتفاقية دفاع مشترك يبعث برسالة حازمة لداعمي الميليشيات بأن أي تصعيد يمس أمن الأراضي السعودية أو منشآتها الحيوية قد ينقل المواجهة إلى مستوى الدول الكبرى، مما يرفع كلفة “المغامرة الإيرانية” عبر أذرعها.
-
قطع سلاسل التوريد والردع البحري (معادلة تركيا):
تتميز القوات البحرية والمسيرات التركية بقدرة عالية على مراقبة وتأمين الممرات المائية (البحر الأحمر، وباب المندب، وبحر العرب). تفعيل التنسيق العسكري يعني إغلاق منافذ تهريب السلاح الإيراني للحوثيين بشكل أكثر إحكامًا وتوفير حماية آلية للملاحة الشريانية للمملكة.
-
الحرمان من استراتيجية “الإنكار” الإيرانية:
تعتمد طهران عادة على توظيف الحوثيين لشن هجمات مع احتفاظها بقدرة “الإنكار الرسمي”. التحالف الثلاثي يغيّر قواعد اللعبة عبر تشكيل جبهة موحدة تتعامل مع مصدر التهديد ورعاته كمنظومة واحدة، مما يلغي فاعلية التكتيك الإيراني التقليدي.
ثالثاً: ثلاثية القوة وأبعاد التكتل الاستراتيجي
-
المملكة العربية السعودية | مركز الثقل والقيادة
-
الركيزة الأساسية: عمق مالي وسياسي، تفوق جوي وتسليحي أحدث، ومركزيّة الثقل الإسلامي.
-
الأثر الاستراتيجي على الردع: تُمثل المحرك الرئيسي للتحالف؛ حيث تتكفل بإدارة وتوجيه التكتل، وتغطية الاحتياجات اللوجستية والتمويلية والاستقرار الاستراتيجي.
-
-
جمهورية تركيا | الذراع الصناعية والتكنولوجية
-
الركيزة الأساسية: صناعات دفاعية متطورة (مسيرات، تسليح بحري)، وقوة عسكرية تقليدية ضاربة.
-
الأثر الاستراتيجي على الردع: رفد التحالف بالتكنولوجيا العسكرية والتصنيع الذكي، مما يُسهم في خفض الاعتماد على التوريد الخارجي وتأمين الممرات المائية الحيوية.
-
-
جمهورية باكستان | مظلة الردع الصلبة
-
الركيزة الأساسية: قوة بشرية وعقيدة قتالية مجربة، ومظلة ردع استراتيجي (نووي/باليستي).
-
الأثر الاستراتيجي على الردع: إضفاء عمق عسكري مانع للتجاوزات الكبرى، وإيجاد توازن قوى هجومي ودفاعي صلب يضع حداً لمغامرات القوى الإقليمية ووكلائها بالمنطقة.
-



