الرئيسية
الخرج عبر العصور.. مؤتمر علمي يستعيد تاريخ الاستيطان والتحولات الحضارية

أحوال – عبد الله صالح الكناني
انطلقت أمس الثلاثاء 1447/06/25هـ جمادى الآخرة الموافق 16 ديسمبر 2025 م بمحافظة الخرج فعاليات المؤتمر العلمي الحادي والعشرين للجمعية السعودية التاريخية، تحت عنوان «تاريخ وحضارة الخرج عبر العصور»، برعاية صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن محمد بن سعد بن عبدالعزيز محافظ الخرج، وبحضور نخبة من الباحثين والأكاديميين والمهتمين بالدراسات التاريخية، على أن تستمر أعماله حتى يوم الخميس 18 ديسمبر 2025م.
ويأتي انعقاد المؤتمر تأكيدًا للمكانة التاريخية التي تحظى بها محافظة الخرج، بوصفها إحدى أقدم مناطق الاستيطان البشري في وسط الجزيرة العربية، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن الخرج كانت مأهولة منذ عصور ما قبل الإسلام، وعُرفت قديمًا بخصوبة أرضها ووفرة مياهها، ما جعلها مركزًا زراعيًا واستراتيجيًا مهمًا، وتعاقبت عليها حضارات متعددة، وشهدت تحولات سياسية وإدارية بارزة عبر مراحل التاريخ الإسلامي والدولة السعودية في عهودها المتعاقبة.
وتُعد الخرج من المناطق التي ارتبط تاريخها بأحداث مفصلية في تاريخ نجد، سواء من حيث الاستقرار السكاني المبكر، أو دورها الاقتصادي والزراعي، أو موقعها في مسارات القوافل والتواصل الحضاري، إضافة إلى ما شهدته من تقلبات الحكم والإدارة حتى استقرارها ضمن كيان الدولة السعودية الحديثة.
ويتضمن المؤتمر جلسات علمية محكّمة تُعرض خلالها أوراق بحثية متخصصة، تتناول تاريخ الخرج منذ بدايات الاستيطان البشري، وتطورها العمراني والاجتماعي، ودورها السياسي والاقتصادي عبر العصور، إلى جانب دراسات توثيقية حول المواقع الأثرية، والمخطوطات، والوثائق التاريخية المرتبطة بالمحافظة، فضلاً عن أبحاث تسلط الضوء على التحولات الحديثة التي شهدتها الخرج في ظل الدولة السعودية.
ويصاحب المؤتمر معرضٌ تاريخي يضم وثائق وصورًا ومخطوطات ومقتنيات نادرة، تُعرض للجمهور والمهتمين لأول مرة في إطار علمي توثيقي، بما يسهم في تعزيز الوعي بتاريخ المحافظة وإرثها الحضاري، إضافة إلى برنامجٍ للرحلات العلمية الميدانية المرتبطة بمحاور المؤتمر، يتيح للباحثين الاطلاع الميداني على عدد من المواقع التاريخية ذات الصلة.
وشهد حفل التدشين تكريم الجمعية السعودية التاريخية للأستاذ الدكتور عبدالغفور الروزي – رحمه الله – تقديرًا لإسهاماته العلمية وجهوده البارزة في خدمة الدراسات التاريخية، كما جرى افتتاح المعرض المصاحب إيذانًا بانطلاق فعاليات المؤتمر العلمية والثقافية وبرنامج الرحلات الميدانية.
ويُنتظر أن تسهم مخرجات المؤتمر في إثراء المكتبة التاريخية السعودية، وتعزيز الدراسات الأكاديمية المتخصصة بتاريخ مناطق المملكة، وترسيخ مكانة الخرج بوصفها نموذجًا حضاريًا وتاريخيًا متجذرًا في عمق التاريخ الوطني.
ومن هنا تبرز أهمية استعراض الخرج في رحلتها الممتدة من الماضي العريق إلى الحاضر المزدهر، وذلك على النحو التالي:
أولًا:الموقع
تقع محافظة الخرج جنوب شرق مدينة الرياض، وتُعد من أقدم حواضر إقليم اليمامة في وسط الجزيرة العربية، وتمثل امتدادًا تاريخيًا وجغرافيًا مهمًا لنجد، واشتهرت منذ القدم بوفرة المياه وخصوبة الأرض، ما جعلها مركزًا للاستقرار البشري المبكر.
ثانيًا: من أول من استوطن الخرج؟
تشير المصادر التاريخية والجغرافية القديمة إلى أن الخرج مأهولة قبل الإسلام بقرون طويلة، ويُرجّح أن أول من استوطنها:
-
قبائل طسم وجديس في العصور العربية البائدة، وهي من أقدم الأمم التي سكنت اليمامة.
-
ثم قبيلة بني حنيفة في العصر الجاهلي، وهي القبيلة الأشهر التي ارتبط اسمها باليمامة والخرج، ومنها الصحابي ثمامة بن أثال الحنفي.
وكانت الخرج جزءًا من إقليم اليمامة التاريخي الذي مثّل أحد أهم مراكز الاستقرار والزراعة في الجزيرة العربية.
ثالثًا: الخرج في العصر الإسلامي
مع بزوغ فجر الإسلام:
-
دخلت اليمامة، ومن ضمنها الخرج، في الإسلام في حياة النبي ﷺ.
-
شهدت المنطقة أحداث حروب الردة في عهد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
-
استقرت الخرج لاحقًا تحت إدارة الدولة الإسلامية، وتبعيتها للخلافة الراشدة ثم الأموية فالعباسية، ضمن ولايات نجد.
رابعًا: الحكومات والدول التي تعاقبت على الخرج
تعاقبت على الخرج عدة كيانات سياسية عبر التاريخ، أبرزها:
-
العصور العربية القديمة
حكم قبلي (طسم، جديس، ثم بني حنيفة). -
الدولة الإسلامية
-
الخلافة الراشدة
-
الدولة الأموية
-
الدولة العباسية
وكانت الخرج جزءًا من إقليم اليمامة الإداري.
-
-
الدول المحلية في نجد
بعد ضعف الخلافة العباسية، خضعت الخرج لإمارات محلية في نجد، ضمن تحولات سياسية متكررة. -
الدولة السعودية الأولى (1744–1818م)
دخلت الخرج تحت حكم الدولة السعودية الأولى، وشهدت استقرارًا نسبيًا وتنظيمًا إداريًا. -
الدولة السعودية الثانية (1824–1891م)
عادت الخرج ضمن نفوذ الدولة السعودية الثانية، وتأثرت بالصراعات السياسية في نجد. -
الدولة السعودية الثالثة (منذ 1902م)
دخلت الخرج في حكم الملك عبدالعزيز – رحمه الله – واستقرت نهائيًا ضمن كيان المملكة العربية السعودية، وشهدت تطورًا إداريًا وزراعيًا وتعليميًا وعسكريًا كبيرًا.
خامسًا: لماذا كانت الخرج مهمة تاريخيًا؟
-
وفرة المياه الجوفية والعيون.
-
مركز زراعي رئيسي في نجد.
-
موقع استراتيجي يربط وسط الجزيرة بمناطق الجنوب والشرق.
-
عمق حضاري جعلها حاضنة للاستيطان المتواصل دون انقطاع تقريبًا.
-
ومن ذلك نجد ان الخرج ليست مدينة طارئة، بل حاضرة ضاربة في جذور التاريخ، تعاقبت عليها الحضارات، وشهدت تحولات الحكم من القبيلة إلى الدولة، ومن اليمامة القديمة إلى الدولة السعودية الحديثة، محتفظة بدورها الزراعي والحضاري عبر العصور.



