أعلنت أمانة محافظة جدة عن بدء أعمال إزالة دوّار الجمل ضمن مشروع تطويري يهدف إلى تحسين الانسيابية المرورية وتحويل المسارات، في إطار حلول هندسية لمعالجة الاختناقات المرورية في منطقة أبحر الجنوبية. وهو توجّه مفهوم ومطلوب في مدينة تنمو بوتيرة متسارعة، وتحتاج إلى حلول مرورية حديثة وفعّالة في مختلف الأحياء والطرقات.
لكن السؤال الأهم ليس: هل نطوّر؟ بل: كيف نطوّر دون أن نمحو الذاكرة؟
دوّار الجمل، القائم في موقعه منذ أكثر من ثلاثين عامًا، لم يكن مجرد نقطة دوران، بل أصبح علامة مكانية ارتبطت بالمنطقة وسكانها، ودخل في الوعي الجمعي كأحد معالم جدة الشهيرة، التي يهتدي بها الناس ويشيرون إليها في أحاديثهم اليومية.
المدن الحديثة لا تقوم فقط على الإسفلت والإشارات الذكية، بل على التوازن بين الوظيفة والهوية. فإزالة المعالم دون بدائل رمزية تخلق فراغًا نفسيًا، حتى وإن حققت نجاحًا هندسيًا.
من هنا، يبدو أن الحل الأمثل لا يكمن في إزالة دوّار الجمل بالكامل، بل في إعادة توظيفه حضريًا، عبر نقله أو تدويره بزاوية قريبة داخل النطاق الجغرافي نفسه، وقريبًا جدًا من موقعه الحالي، بما يحافظ على حضوره الرمزي دون أن يتعارض مع متطلبات السلامة أو انسيابية السير.
هذا النهج معمول به في مدن عالمية كثيرة، حيث يتم دمج المجسّمات التاريخية أو الرمزية ضمن التصميمات الجديدة، لتكون شاهدًا على الماضي وجزءًا من الحاضر.
إن تطوير جدة مشروع كبير ومبشّر، تُشكر عليه أمانة جدة ومسؤولوها، لكن جمال المدن لا يُقاس فقط بسرعة الوصول، بل بقدرتها على احترام ذاكرتها وهي تمضي نحو المستقبل.
ودوّار الجمل… يستحق أن يبقى، ولو بخطوة جانبية ذكية، قريبًا جدًا من مكانه.