محايل عسير… حين يتكلم التراث بلغة النار والمرخ

احوال _محايل عسير
فاطمه محمد الشهري
لم يكن مهرجان الحنيذ الثاني في محايل عسير مجرد فعالية موسمية، بل كان رحلة حية في ذاكرة المكان، حيث تتقدّم الرائحة قبل الصورة، وتسبق النارُ الكلمات.
منذ اللحظة الأولى، يستقبل الزائر عبق الشواء الممتزج بنبتة المرخ، تلك الرائحة التي لا تُشبه إلا تاريخ الآباء والأجداد، وتختصر قرونًا من الموروث في نفسٍ واحد.
في مشهد غير مسبوق، جمع المهرجان بين الحنيذ بهويته الأصيلة ولمسة الطهاة العالميين الذين أعادوا تقديمه بنكهات عابرة للحدود دون أن تمس جوهره، في حوار فريد بين المطبخ المحلي والعالمي. وإلى جانبه حضر الخمير، وليالي السمر، وصوت الناي الذي كان ينساب بهدوء ليمنح المكان روحًا أقرب للقصيدة منه إلى الاحتفال.
أروقة تحكي.. لا تُعرض
عند التجوال في أروقة المهرجان، يكتشف الزائر أن كل ركن صُمم ليحكي قصة مختلفة.
مزارعون من جبل هادا قدّموا قهوتهم الجبلية وكأنها رسالة سلام من أعالي السحاب، بينما اصطف منتجو السم وزيت السمسم، والدخن والذرة بأنواعها، ليعرضوا نتاج الأرض كما هو: صادقًا، نقيًا، ومشحونًا بالهوية.
ولم يكن الفن غائبًا؛ فقد شكّل قسم اللوحات الفنية والنحت مساحة مدهشة، عالمًا بصريًا ينبض بالإبداع، حيث التقت الألوان مع الخشب والحجر لتعكس ملامح الإنسان والمكان في عسير.
كرنفال الأسرة واليد الحرفية
الأسر المنتجة والحرفيون كانوا قلب المهرجان النابض.
تنوع المأكولات، دقة الصنعة، ودفء الحضور جعل من المكان كرنفالًا مفتوحًا، تتداخل فيه النكهات مع الحكايات، وتتحول الأطباق إلى ذاكرة تؤكل، لا تُنسى.
محايل… العروس
في هذا المشهد المتكامل، بدت محايل عسير عروسًا تزيّنت بتراثها، وقدّمت موروث الحنيذ لا كطبقٍ شعبي فحسب، بل كهوية ثقافية متكاملة، قادرة على أن تخاطب العالم دون أن تتنازل عن أصالتها.
مهرجان الحنيذ الثاني لم يكن حدثًا عابرًا، بل إعلانًا واضحًا بأن التراث حين يُقدَّم بوعي واحترام، يصبح مستقبلًا… لا ماضيًا.



