بسطات على أرصفة “العالم الافتراضي”.. وتفكيك العاطفة المستهلكة

بقلم: فاطمة الـحـربـي
في البدء، كانت المشاعر الإنسانية تُولد في الحصون، وتنمو في الظلال، وتُحاط بأسوارٍ من الوقار والمهابة. كان الحزن كبرياءً لا يُستعرض، والاشتياق لغةً سرية لا يفك شفرتها إلا من كُتبت لأجله. أما اليوم، وفي ظل طغيان “العالم الافتراضي” وتحولاته الصاخبة، فقد شهدنا تحولاً سلوكياً غريباً، حوّل العواطف من قيمٍ شعورية عليا إلى بضائع تُعرض بالمجان على أرصفة المنصات الرقمية.
لقد أفرزت لنا وسائل التواصل الاجتماعي نمطاً سلوكياً يمكن تسميته بـ “البسطات العاطفية”. وهي تلك الحالة التي يختار فيها بعض المستخدمين تحويل حساباتهم إلى منابر للاستعراض الشعوري الدائم، ناصبين “بسطات” من قصائد العتب الموجهة للمجهول، وآهات الفراق الفضفاضة، ومقالات الاستعطاف الباكية. من يتأمل هذا المشهد بعينٍ بصرية فاحصة، يدرك أن هذا السيل من التباكي الرقمي لا يمت للعمق العاطفي بصلة، بل هو أسلوب متكرر يعكس حالة من الإفلاس النرجسي الذي يقتات على لفت الانتباه، واستدرار الشفقة، واصطياد أنصاف الفرص لترميم تصدعات الذات.
إن الخديعة الكبرى في هذه “البسطات الرقمية” تكمن في “التسليع الشعوري” وعرض البضاعة المقلدة؛ فالأبيات والرسائل المبطنة التي يُظن في ظاهرها أنها صيغت لغائبٍ معين، هي في حقيقتها “شبكة صيد جماعي” تُرمى في بحر المتابعين، ينتظر صاحبها أي عابرة سبيل لتلتفت، أو تواسي، أو تمنحه بضع دقائق من الاهتمام الحسي ليتغذى عليه وغروره المريض. لقد سقطت الخصوصية، وتلاشت هيبة الكلمة حين أصبحت العواطف تُعرض كبضائع الأرصفة: متاحة للقاصي والداني، ومعروضة للمساومة، ومكررة في كل ممر وصَفحة.
بيد أن العزاء الحقيقي يكمن في “تنامي الوعي الإنساني”؛ فالإنسان البصير اليوم لم يعد ذاك الكائن الساذج الذي ينخدع بدموع التماسيح الرقمية أو يقع في فخاخ الكلمات المزوقة. لقد تعلمت العقول النَّبِهة أن تمر فوق هذه الاستعراضات بروداً وشفافية، مطبقةً عليها قانون “العمى الفكري”، عابرةً من فوق الحروف المعلقة دون أن تمنحها شرف الالتفات أو قيمة الرد.
إن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في استغنائه وعزة نفسه، وفي إيمانه بأن المشاعر الصادقة لا تحتاج إلى ضجيج المنصات ولا إلى مسارح التمثيل الرقمي لكي تُثبت وجودها. وستظل تلك “البسطات” قائمة على أرصفة السوشيال ميديا، تتغير وجوه الباعة وتتشابه البضائع الكاسدة، بينما تمضي العقول الرفيعة في كواكبها الشامخة، متساميةً عن اللف والدوران، وتاركةً الوحل لمن ارتضى القاع مقاماً.



