الرئيسية
قمة باريس بين ولي العهد وماكرون.. شراكة استراتيجية ترسم ملامح التوازن الإقليمي

كتب رئيس التحرير صالح بن خميس الكناني
تكتسب زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى العاصمة الفرنسية باريس تبداء من اليوم الأحد 10 ربيع الأول 1448 هـ الموافق 23 أغسطس 2026 م، تلبية لدعوة الرئيس إيمانويل ماكرون، أبعادًا استراتيجية بالغة الأهمية، لكونها تأتي في ظرف إقليمي ودولي شديد التعقيد، تتقاطع فيه الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية، وتتسارع فيه المتغيرات التي تعيد تشكيل المشهد الدولي والإقليمي.
وتستمد الزيارة زخمها الأساسي من انعقاد الاجتماع الأول لـ مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي–الفرنسي، الذي يمثل المظلة المؤسسية الأحدث والأعلى مستوى لتأطير العلاقات بين الرياض وباريس، وتحويل ما يجمع البلدين من تفاهمات سياسية واقتصادية وأمنية وثقافية إلى شراكة مؤسسية أكثر شمولًا واستدامة.
ولا تبدو أهمية هذا الاجتماع محصورة في كونه اللقاء الأول للمجلس، بل تتجاوز ذلك إلى كونه اختبارًا عمليًا لمدى قدرة البلدين على ترجمة خارطة الطريق التي جرى اعتمادها إلى برامج ومشروعات ومواقف مشتركة، خصوصًا في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم.
مؤشرات تشكيل مجلس الشراكة الاستراتيجي السعودي–الفرنسي
إذا بحثنا في مؤشرات تشكيل مجلس الشراكة الاستراتيجي بين السعودية وفرنسا، فإن المعطيات الرسمية تؤكد أن المجلس ليس مجرد فكرة أو إطار قيد التشكيل، وإنما تم الاتفاق رسميًا على إنشائه بالفعل، وأصبح السؤال الأهم مرتبطًا بمدى انتقاله من مرحلة التأسيس والاتفاق إلى مرحلة التفعيل والتنفيذ.

ومن أبرز المؤشرات التي تؤكد هذا المسار:
أولًا: توقيع مذكرة تفاهم رسمية لتشكيل المجلس
شهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الرياض، في 2 ديسمبر 2024م، توقيع مذكرة تفاهم بشأن تشكيل مجلس الشراكة الاستراتيجي بين حكومتي البلدين، ووقع المذكرة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، ونظيره الفرنسي جان نويل بارو.
ويمثل توقيع هذه المذكرة نقطة تحول مهمة في مسار العلاقات الثنائية، باعتبارها نقلت التعاون السعودي–الفرنسي من أطر متعددة ومتفرقة إلى مظلة مؤسسية رفيعة المستوى، تتولى متابعة مجالات التعاون وتطويرها، بما يتناسب مع مستوى العلاقات السياسية بين البلدين.
ثانيًا: رئاسة المجلس من أعلى مستوى سياسي
من أبرز المؤشرات على الأهمية التي يوليها البلدان للمجلس، أن رئاسته ستكون مشتركة بين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وتمنح هذه الرئاسة المجلس وزنًا سياسيًا استثنائيًا، كما تؤكد أن الشراكة لا تستهدف التعاون التقليدي بين الوزارات والجهات الحكومية فحسب، وإنما تسعى إلى بناء إطار استراتيجي طويل المدى يتناول القضايا ذات الأولوية بالنسبة إلى البلدين.
كما أن الرئاسة على مستوى القيادة العليا تتيح للمجلس قدرة أكبر على متابعة الملفات الاستراتيجية، وتذليل العقبات أمام تنفيذ الاتفاقيات والمبادرات والمشروعات المشتركة.
ثالثًا: اعتماد خارطة طريق للشراكة الاستراتيجية
تزامن إنشاء المجلس مع اعتماد خارطة طريق للشراكة الاستراتيجية السعودية–الفرنسية، بما يؤكد وجود مسار محدد لتطوير العلاقات، وليس مجرد إطار تشاوري أو سياسي.
وقد أدت المحادثات بين الجانبين إلى اعتماد خارطة طريق للشراكة الاستراتيجية وتوقيع مذكرة تفاهم تنص على إنشاء مجلس للشراكة الاستراتيجية برئاسة مشتركة من رئيس الجمهورية الفرنسية وصاحب السمو الملكي ولي العهد.
ويحدد هذا الإطار التوجيهي مسارًا مشتركًا للعقد القادم، وينظم التعاون في عدد من القطاعات الرئيسية، بما يخدم التنمية المستدامة والمبتكرة والمشتركة، ويمنح العلاقات السعودية–الفرنسية أفقًا طويل المدى يتجاوز الملفات الآنية.
كما أسهمت الزيارة في تعزيز الزخم الاقتصادي، من خلال منتدى أعمال جمع أكثر من 200 شركة فرنسية وسعودية، حيث تركزت المناقشات على مجالات استثمارية مستقبلية، من بينها التكنولوجيا المالية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير التبادل الثقافي والسياحي، في ضوء الفعاليات والمشروعات الكبرى التي تشهدها المملكة.

رابعًا: تعاون يتجاوز الاقتصاد إلى الملفات العالمية
لم تقتصر المحادثات السعودية–الفرنسية على الملفات الاقتصادية والاستثمارية، وإنما تناولت كذلك عددًا من القضايا العالمية الكبرى، وفي مقدمتها المناخ والتنوع البيولوجي وإدارة المياه.
وفي هذا السياق، شارك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في قمة «One Water» التي عقدت في الرياض في 3 ديسمبر 2024م، على هامش مؤتمر الأطراف السادس عشر «COP16» بشأن مكافحة التصحر.
وسعت قمة «One Water»، التي شاركت في رئاستها فرنسا وكازاخستان والبنك الدولي بالشراكة مع المملكة العربية السعودية، إلى رفع قضية المياه إلى أعلى المستويات السياسية، في ظل تزايد التحديات المرتبطة بالتغير المناخي وشح المياه والأمن الغذائي والاستدامة البيئية.
ويكشف هذا الحضور عن اتساع نطاق الشراكة بين البلدين، بحيث لا تقتصر على القضايا الثنائية، وإنما تمتد إلى الملفات الدولية ذات الأولوية المشتركة.
خامسًا: البعد الثقافي والسياحي في الشراكة
على الصعيد الثقافي، أُبرمت عدة اتفاقيات تهدف إلى تسهيل تبادل الخبرات في مجالات التراث والمتاحف والسينما والمكتبات وعلم الآثار والتدريب، بما يعكس إرادة مشتركة لبناء تعاون ثقافي مستدام.
ويأتي ذلك في إطار التحول الكبير الذي تشهده المملكة في القطاع الثقافي، وتزايد حضور الشراكة الفرنسية في عدد من المشروعات والمبادرات الثقافية والسياحية، وفي مقدمتها مشروع تطوير العُلا، الذي يمثل أحد أبرز نماذج التعاون السعودي–الفرنسي.
سادسًا: اتساع مجالات التعاون الاستراتيجي
تشمل الشراكة السعودية–الفرنسية مجالات استراتيجية واسعة، من أبرزها الطاقة، والصناعة والتعدين، والزراعة، والصحة، والتكنولوجيا الحيوية، والاتصالات وتقنية المعلومات، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الكمية، والفضاء، والمدن الذكية والمستدامة.
كما تمتد إلى مجالات الأمن والدفاع والثقافة والاقتصاد والاستثمار والسياحة، وهو ما يعكس رغبة البلدين في بناء علاقة متعددة الأبعاد، تستفيد من القدرات السعودية والفرنسية في عدد من القطاعات الحيوية.
وهنا تبرز أهمية مجلس الشراكة الاستراتيجي باعتباره إطارًا يمكن من خلاله جمع هذه الملفات المختلفة ضمن رؤية واحدة، ومتابعة تنفيذها بصورة أكثر انتظامًا وتنسيقًا.
سابعًا: استمرار الاتصالات المباشرة بين قيادتي البلدين
تشكل الاتصالات المباشرة بين قيادة المملكة والرئاسة الفرنسية مؤشرًا آخر على استمرار الزخم السياسي للعلاقات الثنائية.
ففي سبتمبر 2025م، بحث سمو ولي العهد والرئيس الفرنسي مجالات التعاون القائمة وفرص تعزيزها، فيما بحثا في يونيو 2026م مجالات التعاون المشترك، إلى جانب التطورات الإقليمية والدولية، وحرية الملاحة، وسبل خفض التصعيد.
ويؤكد استمرار هذه الاتصالات أن الشراكة السعودية–الفرنسية تحظى بمتابعة سياسية مباشرة، وهو ما يعزز فرص تفعيل مجلس الشراكة الاستراتيجي ودفع الملفات المشتركة نحو مراحل أكثر تقدمًا.
وما يجدر ذكره تأسيس وأهداف وإنجازات مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي–الفرنسي ما يتضح معنا:
1 – التأسيس
جرى الاتفاق على تأسيس المجلس وتوقيع مذكرة التفاهم الخاصة به خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المملكة في ديسمبر 2024م، بهدف إيجاد آلية حكومية رفيعة المستوى لمتابعة المشروعات والسياسات المشتركة، وتعزيز التنسيق بين البلدين في الملفات الاستراتيجية.
2 – الأهداف
يهدف المجلس إلى مأسسة التعاون الثنائي في عدد من المجالات الحيوية، وفي مقدمتها:
-
الدفاع والأمن.
-
التكنولوجيا والابتكار.
-
الطاقة المستدامة.
-
النقل والبنية التحتية.
-
الصحة.
-
الثقافة والسياحة.
-
الاستثمار والتجارة.
-
الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
كما يستهدف المجلس محاذاة الرؤى الاقتصادية بين رؤية السعودية 2030 والقدرات والخبرات الاستثمارية والتقنية الفرنسية، وتعزيز الاستثمارات المشتركة ونقل المعرفة والتقنية.
ويكتسب المجلس كذلك أهمية سياسية من خلال دوره المتوقع في تنسيق المواقف تجاه قضايا السلم والأمن الإقليمي والدولي، بما يتيح للرياض وباريس مساحة أوسع للتشاور بشأن الأزمات والملفات ذات الاهتمام المشترك.
وإذا ما قسنا العمر القصير لهذا المجلس، سنجد أنه حقق الكثير؛ ولعل المتابع يلمس أن أبرز الملفات التي شهدت تقدمًا ملموسًا في مسار الشراكة والعلاقات السعودية–الفرنسية حتى الآن تتمثل في:
مشروع العُلا
يمثل التعاون في تطوير محافظة العُلا أحد أبرز النماذج العملية للشراكة بين البلدين، من خلال التعاون مع الوكالة الفرنسية لتطوير العُلا «AFALULA»، بما يجمع بين الخبرة الفرنسية في مجالات التراث والثقافة والسياحة وبين الإمكانات والمشروعات التنموية السعودية.

الطاقة والتقنية والدفاع
شهدت العلاقات كذلك تعزيز التعاون في مجالات الطاقة النظيفة، والدفاع، ونقل التقنية، إلى جانب تنامي حجم التبادل التجاري والمشروعات الاستثمارية المشتركة.
ويعكس هذا التنوع رغبة البلدين في الانتقال بالعلاقات الاقتصادية من التبادل التجاري التقليدي إلى شراكات استثمارية وتقنية طويلة الأجل.
الملفات الإقليمية
استمر التنسيق السياسي بين الرياض وباريس بشأن عدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها الملف اللبناني والسوداني، إلى جانب التطورات في منطقة الشرق الأوسط، والجهود الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز الحلول السياسية.
أبرز الملفات المطروحة والأبعاد المتوقعة للزيارة
تأتي زيارة سمو ولي العهد إلى باريس في توقيت بالغ الحساسية، ما يجعل الملفات التي يمكن أن تتناولها القمة تتجاوز نطاق العلاقات الثنائية إلى عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
1. أمن الملاحة في مضيق هرمز وإمدادات الطاقة
تأتي التطورات المتعلقة بـمضيق هرمز في صدارة الملفات الاقتصادية والأمنية، نظرًا للأهمية الحيوية لهذا الممر البحري بالنسبة إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
ويمكن أن تتجه الرياض وباريس إلى بحث سبل تعزيز أمن الملاحة الدولية وحماية حركة التجارة والطاقة، ومنع استغلال الممرات البحرية الحيوية في التجاذبات الجيوسياسية، بما يحافظ على استقرار الأسواق العالمية ويحد من مخاطر اضطراب إمدادات الطاقة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى المملكة باعتبارها من أكبر منتجي ومصدري الطاقة عالميًا، وبالنسبة إلى فرنسا وأوروبا التي تظل معنية بأمن الطاقة وسلامة خطوط التجارة الدولية.
2. الملف اللبناني وتفعيل المبادرات المشتركة
يمثل الملف اللبناني أحد الملفات الحاضرة في المشاورات السعودية–الفرنسية، ومن المتوقع أن يتجدد التأكيد على دعم الشعب اللبناني، وتعزيز استقرار الدولة ومؤسساتها.
كما يمكن أن يحظى الصندوق السعودي–الفرنسي المشترك لدعم الشعب اللبناني بمزيد من الاهتمام، إلى جانب التشديد على ضرورة استكمال الاستحقاقات السياسية، ودفع الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة اللبنانية وبسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية.
3. الأزمة الروسية – الأوكرانية
تظل الحرب الروسية–الأوكرانية حاضرة في الحسابات السعودية والفرنسية، بالنظر إلى تداعياتها على الأمن الدولي والطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد.
ومن المتوقع أن تتبادل الرياض وباريس الرؤى بشأن سبل الوصول إلى حل سياسي ينهي الصراع ويحد من تداعياته الإنسانية والاقتصادية، مع استمرار المملكة في أداء أدوار دبلوماسية وإنسانية قائمة على الحوار والوساطة.
4. التصعيد الإقليمي ورسائل التهدئة
تفرض التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط ملف خفض التصعيد ومنع توسع دائرة الصراع على أجندة أي مباحثات سعودية–فرنسية رفيعة المستوى.
ومن المرجح أن يناقش الجانبان سيناريوهات احتواء التوترات الإقليمية، وضرورة اللجوء إلى الوسائل الدبلوماسية، واحترام قواعد القانون الدولي، والعمل على معالجة جذور الأزمات بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع تداعياتها.
وتتلاقى في هذا السياق الرؤية السعودية الداعية إلى الاستقرار والحلول السياسية مع الاهتمام الفرنسي بأمن المنطقة ومنع اتساع رقعة الصراعات.
5. الملف اليمني وأمن البحر الأحمر
يظل الملف اليمني حاضرًا في الحسابات الأمنية والسياسية السعودية والفرنسية، خصوصًا في ظل الارتباط المباشر بين استقرار اليمن وأمن البحر الأحمر والممرات المائية الدولية.

ومن المتوقع أن يتناول التنسيق بين البلدين دعم جهود السلام وخارطة الطريق في اليمن للوصول إلى حل سياسي شامل تحت رعاية الأمم المتحدة، مع التأكيد على دعم الشرعية اليمنية، وتعزيز استقرار الموانئ والممرات المائية المجاورة لـباب المندب والبحر الأحمر.
كما تكتسب سلامة الملاحة في البحر الأحمر أهمية خاصة في ظل ارتباطها المباشر بالتجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.
قمة باريس.. من الشراكة الثنائية إلى التأثير في المشهد الإقليمي
في المحصلة، لا تبدو زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان إلى باريس مجرد زيارة ثنائية تقليدية، بل تأتي في إطار مسار متدرج لإعادة تعريف العلاقة السعودية–الفرنسية، ونقلها إلى مستوى أكثر مؤسسية واتساعًا.
فإنشاء مجلس الشراكة الاستراتيجي، واعتماد خارطة الطريق، وتوسيع مجالات التعاون، واستمرار التواصل المباشر بين قيادتي البلدين، كلها مؤشرات على أن الرياض وباريس تتجهان نحو بناء شراكة طويلة الأمد تتجاوز الملفات الاقتصادية إلى الأمن والدفاع والطاقة والتقنية والثقافة والقضايا الإقليمية والدولية.




