الحكم بإعدام أحد معتقلي الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في إيران بتهمة “التواصل مع دول معادية”



وتكشف إفادات شهود عيان، ووثائق مصورة جرى التحقق من صحتها، وبيانات جُمعت من مدن فرديس وساوجبلاغ واشتهارد ونظر آباد، عن أبعاد خفية ومنهجية لعمليات القمع الدامية التي رافقت احتجاجات يناير الماضي في محافظة البرز.
وتشير هذه الروايات إلى وقائع مروعة، من إطلاق نار عشوائي في الطرقات العامة وقتل الأطفال، إلى اقتحام المراكز الطبية لإطلاق رصاصة الرحمة على الجرحى، وتكديس جثث مقيدة الأيدي والأقدام، ثم نقلها بطريقة مهينة في شاحنات جمع النفايات.
ونظرًا لانقطاع الاتصالات وعدم تمكن الصحافيين والجهات المستقلة من الوصول بحرية إلى المناطق المتضررة، فإن التحقق المستقل والمتزامن من جميع التفاصيل والأرقام الواردة لا يزال محدودًا، وتعتمد بعض المعلومات على روايات الشهود أو المصادر المحلية.
إطلاق نار مباشر من مقار عسكرية وإدارية
كانت هشتغرد، مركز قضاء ساوجبلاغ، إحدى أبرز بؤر القمع.
وقال شهود إن قوات تابعة لكتيبة «الإمام حسين» استخدمت بنادق كلاشينكوف وG3 ورشاشات دوشكا في مناطق بولفار مدرس الجنوبي وشارع المصلى وحي فردوسي (ترك آباد).
ويقع مبنى القائمقامية ومقر قيادة الشرطة في ساوجبلاغ بالقرب من بعضهما، وبحسب مصادر محلية، فإن جزءًا من عمليات إطلاق النار انطلق من هذه المنطقة.
وكانت ثنا توسنكي، وهي تلميذة تبلغ من العمر 12 عامًا من سكان هشتغرد، من بين ضحايا القمع، إذ قُتلت في 8 يناير (كانون الثاني)؛ إثر إصابتها برصاص مباشر.
وقال شهود إنها أصيبت برصاصتين في منطقتها الإدارية، استقرتا في الظهر والرأس.
وفي جزء آخر من المدينة، تحدث شهود عن انتشار قناصة فوق مبنى القائمقامية ومجمع ميلاد نور التجاري.
وفي “مشكين دشت”، كانت قوات الوحدات الخاصة تعلن عبر مكبرات الصوت أن الأوضاع طبيعية، لكنها كانت تبدأ بإطلاق النار على السكان فور خروجهم من منازلهم.
أما في اشتهارد، فقد وقعت عمليات إطلاق النار قرب مركز الشرطة رقم 11 ومبنى القائمقامية.
وقال شهود إنه مع ارتفاع عدد القتلى، نُقلت الجثث في شاحنة إلى مقبرة بهشت علي شبه المهجورة في منطقة بلنك آباد، حيث أُلقيت جماعيًا في القطعة رقم (1).
وفي “نظر آباد”، أفاد شهود بأن الجرافات هدمت الجسور الصغيرة المؤدية إلى أزقة شارع الغدير الشمالي، ما صعّب التنقل بين الشارع الرئيسي والأحياء السكنية والمراكز الطبية.
فرديس.. تحويل المرافق الثقافية إلى منصات لإطلاق النار
في قضاء “فرديس”، تحولت مكتبة العلامة الأميني العامة الواقعة في منطقة القناة الغربية إلى مركز لتخزين الذخيرة وتمركز القوات الأمنية، كما استُخدمت المدارس والمساجد الواقعة بين الميدانين الثاني والرابع ومنطقة تقاطع حافظية كنقاط تجمع للقوات المسلحة.
وتتركز أبرز الشهادات حول سينما فرديس في الميدان الخامس، التي يقع خلفها مبنى شرطة المرور.
وبحسب الشهود، تمركزت القوات الأمنية في مبنى شرطة المرور منذ 7 يناير الماضي، وهاجمت المحتجين بإطلاق الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية والرصاص الحي.
وفي مساء 8 يناير، اعتلى قناصة أسطح السينما والمباني المجاورة، وفتحوا النار على المتظاهرين.
وقال أحد الشهود إن القوات بدأت، منذ الساعة العاشرة مساءً تقريبًا (بالتوقيت المحلي)، بإطلاق وابل من الرصاص بشكل عشوائي ودون استهداف محدد.
وأضاف أنه شاهد رجالاً مسنين عند مداخل الأزقة أصيبوا بالرصاص الحي أو برصاص الخرطوش.
وقالت عدة مصادر إنه بعد انتهاء إطلاق النار، احتُجزت الجثث داخل مبنى السينما لمدة يومين قبل نقلها، بينما أجبر عناصر الأمن المواطنين على حذف مقاطع الفيديو التي وثقوا بها الأحداث.
المراكز الطبية.. منع العلاج وإطلاق رصاص الرحمة على الجرحى
يتناول جزء آخر من التقرير فرض سيطرة أمنية على المراكز الطبية في “فرديس”.
ففي مستوصف به آفرين الليلي، امتلأت ثلاجة حفظ الجثث بسرعة، بينما اقتحمت قوات الأمن مستوصف الدكتور خالقي، واعتقلت عددًا من العاملين والجرحى، كما أطلقت رصاصة الرحمة على بعض المصابين وهم أحياء.
كما أثيرت مزاعم بسرقة الذهب والمقتنيات الشخصية الخاصة بالنساء الجريحات أو القتيلات.
وقال أحد سكان المنطقة إن الطابق السفلي للمستوصف كان مكتظًا بالجثث.
ووفقًا للروايات، رفض مستوصف الدكتور بازندي استقبال عدد من الجرحى.
وأكد فريق التحقق في “إيران إنترناشيونال”، بعد تحليل المؤشرات البصرية والصوتية ومطابقة معالم أحد المباني في مقاطع الفيديو، أن بعض المشاهد الصادمة صُورت في قسم طب الأسنان بمستوصف الرسالة (رسالت) الليلي قرب الميدان الخامس في “فرديس”.
وتظهر في هذه المقاطع جثث قتلى قُيدت أيدي وأقدام عدد منهم دون أن يتلقوا أي رعاية طبية، كما ظهرت بين الضحايا جثث أفراد عائلة مكونة من ثلاثة أشخاص.
إلقاء الجثث في الشوارع ونقلها بشاحنات النفايات
قال عدد من الشهود إن عناصر بملابس مدنية كانوا يتنقلون في سيارات بلا لوحات، ويتركون الجثث اثنتين اثنتين عند مداخل الأزقة في منطقة تقاطع حافظية، أو يجبرون السائقين المارين تحت تهديد السلاح على نقلها.
وأضاف أحد الشهود أن موظفًا في البلدية، عند تلقيه اتصالاً من المواطنين، شبّه الجثث بالنفايات بطريقة مهينة.
وتحدثت تقارير أخرى عن إطلاق نار من فوق مبنى مكتب البريد في الميدان الثالث، أعقبته مباشرة شاحنات جمع النفايات التابعة للبلدية لنقل الجثث.
قمع ممنهج وضرورة المساءلة الدولية
تؤكد الروايات والمواد المصورة، التي جرى التحقق من صحتها، أن العنف العسكري الذي شهدته محافظة البرز تجاوز بكثير حدود قمع احتجاجات، ليشكل هجومًا منهجيًا ومنظمًا على أبسط مبادئ حقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.
ويشير التقرير إلى أن هذه الوقائع تفرض على المجتمع الدولي والهيئات الدولية واجبًا قانونيًا وإنسانيًا يتمثل في توثيق هذه الانتهاكات بدقة، وملاحقة المسؤولين عنها قضائيًا، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب.




