الرئيسيةالفن والادب

طقوس أقلام وريشة حالم.. ومداد حبر يعانق الألوان

من بعض أطراف الزمن وواقع الحياة.. عندما تعانق السماء إبداعات البشر

Listen to this article

أ.  هزاع منصور الزهراني

في الفنون مساحات واسعة تترك أثرًا عميقًا في النفس والروح، سواء من خلال اختيار الألوان، أو طريقة الإيحاء والتعبير، أو الخط والرسم، بما يحمله كل عمل فني من معنى ومضمون ورسالة تتجاوز حدود اللوحة إلى إحساس المتلقي ووجدانه.

وفي لحظات معينة، يجد المتذوق نفسه حائرًا أمام ذلك اللقاء الساحر بين الإبداع والتميز والعشق، حين تجتمع جماليات الرسومات الخطية بمختلف أنواعها مع إبداع اللوحات التشكيلية التي تحكي قصة أخرى من خلال اللون والخط والتكوين.

إنه لقاء بين القلم والريشة؛ فحيثما اجتمع الخط والرسم، تآلفت العناصر داخل لوحة واحدة، لتقدم صورة جمالية تجعل المتذوق والمهتم بهذا الفن يشعر وكأن القلم والريشة يتحدثان، بينما تستمع الألوان وتنفذ ما يمليه عليهما الإبداع.

الصورة

وهنا لا تعود اللوحة مجرد ألوان وخطوط، بل تصبح لغة بصرية متكاملة، تحكي حكاية، وتنقل إحساسًا، وتفتح أمام المتلقي أبوابًا متعددة للتأمل والدهشة.

الباحة.. حين يصبح الفن لغة للسماء

هذا ما تغنت به أجواء منطقة الباحة خلال الأيام الماضية، من معرض إلى آخر، ومن تجربة فنية إلى أخرى، في مشهد ثقافي وفني لافت، عكس ما تزخر به المنطقة من مواهب وإبداعات وقدرات فنية تستحق الاحتفاء والدعم.

فبينما كنا نشاهد لوحات إبداعية لعدد من فناني وفنانات المنطقة ضمن معرض “لون وحكاية” ومعرض “الناوي”، وجدنا أنفسنا أمام تجارب فنية متنوعة، كان من بينها الفنان التشكيلي أحمد الخزمري -الناوي-، إلى جانب الفنانات التشكيليات بدرية الزهراني، وهدى الزهراني، وندى الجابري، ومنى حجر، وسامية آل عثمان.

وكانت تلك الأعمال تحمل في تفاصيلها تنوعًا واضحًا في الأساليب والمدارس الفنية، وتؤكد أن الفن التشكيلي في منطقة الباحة ليس مجرد ممارسة جمالية، بل مساحة رحبة للتعبير عن الإنسان والمكان والذاكرة والحياة.

من اللوحة إلى الحرف.. ملتقى الخطاطين

ومن أجواء اللوحات التشكيلية انتقلنا سريعًا إلى عالم آخر لا يقل جمالًا وإبداعًا؛ عالم الخط العربي، حيث يتحول الحرف من مجرد وسيلة للكتابة إلى عمل فني نابض بالحياة.

الصورة

وكان ذلك من خلال ملتقى الخطاطين الذي أشرقت عليه واستضافته دار عوضة في محافظة القرى “الأطاولة”، في تجربة فنية وثقافية مميزة جمعت نخبة من كبار الخطاطين وأصحاب الفن التشكيلي.

وقد فاق عدد المشاركين في الملتقى 80 مشاركًا من الخطاطين والفنانين، فيما ضم فريق العمل قرابة 50 شخصًا، في صورة عكست حجم الجهد المبذول لإنجاح هذا الحدث الفني.

ولم تتوقف المشاركة عند حدود المملكة، بل امتدت إلى عدد من الدول، من بينها تركيا والأردن وسلطنة عُمان، الأمر الذي منح الملتقى بعدًا دوليًا، وجعل الباحة محطة تلتقي فيها تجارب فنية مختلفة، تتبادل الخبرات والرؤى وتحتفي بجمال الحرف والفن.

الصورة

أكثر من 20 ألف زائر.. والفن يفتح أبوابه للجميع

وشهد الملتقى حضورًا جماهيريًا لافتًا، إذ تجاوز عدد الزائرين 20 ألف زائر، في مؤشر واضح على حجم الاهتمام الذي حظيت به الفعاليات الفنية والثقافية، وعلى أن الجمهور متعطش لمثل هذه التجارب التي تمنحه فرصة الاقتراب من الفن ومشاهدة تفاصيله عن قرب.

كما شهد الملتقى بيع عدد من اللوحات الفنية، إلى جانب عرض لوحات عالمية نادرة على مدى خمسة أيام، لتتحول دار عوضة خلال هذه الفترة إلى مساحة مفتوحة للفن والجمال، وإلى ملتقى يجمع الفنان والمتذوق والمهتم والزائر في مكان واحد.

نقلة نوعية في المشهد الفني بالباحة

لقد كان هذا الحراك الفني بمثابة نقلة نوعية، فقد تشرفت منطقة الباحة باستضافة مثل هذه المعارض والملتقيات التي عانقت السحاب بشيء من الجمال، وقدمت نوعًا آخر من الحس الفني النادر.

فالفن حين يجد المساحة المناسبة للظهور، يستطيع أن يرسم ألوان الحياة، وأن يتحدث عن المكان وأهله وذاكرته، وأن يقدم صورة مختلفة عن المنطقة لا تقل أهمية عن أي صورة أخرى.

وما شهدته الباحة خلال هذه الفعاليات يؤكد أن الإبداع لا يرتبط بمكان محدد، لكنه يحتاج إلى من يكتشفه، ويدعمه، ويمنحه الفرصة لكي يصل إلى الجمهور.

شكر لكل من صنع هذا المشهد

ومن هنا، فإن أقل ما يمكن تقديمه هو كل الشكر والتقدير للقائمين على هذه المعارض والملتقيات الإبداعية، بدءًا من الجهات المنظمة، وصولًا إلى صاحب دار عوضة والعاملين معه، والمشاركين، والمتطوعين، وكل من أسهم بجهده ووقته وفكرته في صناعة هذا المشهد الفني المميز.

والشكر موصول إلى الدكتور أحمد، صاحب الدار، والأستاذة إيمان الغامدي، مديرة العلاقات العامة، والأستاذ عبدالعزيز، منظم المعرض، ولكل من وقف خلف هذه التجربة وساهم في إنجاحها وإخراجها بالصورة التي تليق بالفن والفنانين والزوار.

منطقة الباحة تعانق عنان السماء

ومن هنا، أستطيع أن أقول إن الاطاولة بزهران في هذه المنطقة هذا العام عانقت عنان السماء بما شاهدناه من إبداع وفن مختلف النظير؛ لوحات تتحدث بصمت، وحروف تنبض بالحياة، وألوان تختصر حكايات، وريشات تبحث عن الجمال، وأقلام تمنح الحرف روحًا جديدة.

إنها منطقة الباحة حين تفتح نوافذها للفن، وحين تتحول الجبال والسحاب والطبيعة إلى مصدر إلهام، وحين يجد الفنان من يحتفي بإبداعه ويمنحه المساحة التي يستحقها.

فما بين طقوس الأقلام، وريشة الحالم، ومداد الحبر الذي يعانق الألوان، كانت هناك حكاية جميلة اسمها الفن، وكان عنوانها الأبرز: دار عوضة .. حين يصعد الإبداع إلى عنان السماء.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى