تبون يطالب بإعدام مفتعلي حرائق الجزائر، فما العقوبة الحالية؟

صدر الصورة، Getty Images
Published
مدة القراءة: 6 دقائق
قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إنه يريد تطبيق عقوبة الإعدام على مفتعلي حرائق الغابات، بعد موجة من الحرائق أودت بحياة 12 شخصاً على الأقل وأصابت العشرات في شمال البلاد.
ووجه تبون وزير العدل بتعديل قانون العقوبات قبل 15 سبتمبر/أيلول، لإقرار عقوبة الإعدام “مع التنفيذ” بحق المتورطين في إضرام الحرائق عمداً، وفق ما نشرته وكالة الأنباء الجزائرية.
وطلب الرئيس الجزائري أن يمر مشروع التعديل بالحكومة، ثم يعرض على وجه السرعة أمام البرلمان، لإقرار عقوبة الإعدام مع التنفيذ، بعد استنفاد وسائل الطعن التي يكفلها القانون.
لكن التوجيه الرئاسي لم يتحول بعد إلى قانون، ولم يُنشر حتى الآن نص مشروع التعديل، ولذلك لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت العقوبة المقترحة ستطبق على جميع حالات إشعال الغابات عمداً، أم ستقتصر على الحالات التي تتسبب في وفيات أو أضرار جسيمة.
هل توجد عقوبة حالية بالإعدام؟
لا يبدأ التعديل المقترح من فراغ قانوني، فقد شدد القانون رقم 23-21 المتعلق بالغابات والثروات الغابية، الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2023، عقوبات إشعال الحرائق عمداً.
وينص القانون على السجن بين ثلاث وخمس سنوات لمن يشعل النار عمداً في أرض غابية يملكها، إذا لم يلحق الحريق ضرراً بممتلكات عامة أو بممتلكات الآخرين، وترتفع العقوبة إلى ما بين خمس وعشر سنوات إذا تسبب الحريق في أضرار.
أما إشعال النار عمداً في غابة لا يملكها الفاعل، فيعاقب عليه بالسجن بين خمس وعشر سنوات، وترتفع العقوبة إلى ما بين 12 و15 عاماً إذا لحقت أضرار بالممتلكات العامة أو الخاصة.
ويقرر القانون السجن المؤبد لمن يشعل النار عمداً، وبسبق إصرار، في ممتلكات غابية تابعة للدولة أو السلطات المحلية، بقصد الإضرار بالطبيعة والبيئة أو تدمير الثروة الغابية والحيوانية أو تحقيق غرض غير قانوني، كما يفرض السجن المؤبد إذا تسبب الحريق العمدي في إصابات أو إعاقات دائمة، وتظهر هذه العقوبات في المواد من 136 إلى 141 من القانون المنشور في الجريدة الرسمية الجزائرية.
أما إذا تسبب الحريق المتعمد في وفاة شخص أو أكثر، فتحيل المادة 140 من قانون الغابات إلى قانون العقوبات. وتنص المادة 399 من قانون العقوبات صراحة على معاقبة من يتسبب حريقه المتعمد في وفاة شخص أو أكثر بالإعدام.
كما تفرض المادة 396 السجن بين عشر سنوات و20 عاماً على إشعال غابات مملوكة للغير، وترفع المادة 396 مكرر العقوبة إلى السجن المؤبد إذا كانت الممتلكات تابعة للدولة أو السلطات المحلية.
ماذا سيغير التعديل المرتقب؟
تكمن المفارقة في أن التوجيه الرئاسي يتحدث عن “إقرار” أو “إعادة” عقوبة يتيحها القانون أصلاً عندما يتسبب الحريق المتعمد في وفاة شخص أو أكثر.
وقد يعني التعديل المقترح توسيع الإعدام ليشمل الحرائق العمدية حتى إن لم تؤدِ إلى وفاة، أو استحداث نص خاص بحرائق الغابات لا يعتمد على الإحالة إلى المادة 399، أو تعديل شروط انطباق العقوبة.
وقد يقتصر التحول، من الناحية العملية، على إنهاء وقف التنفيذ القائم منذ 1993، ومن المحتمل أيضاً أن يجمع المشروع بين توسيع نطاق العقوبة واستئناف تنفيذها.
ولا يمكن الجزم بأي من هذه الاحتمالات قبل نشر نص المشروع، فالإعلان الرسمي استخدم عبارة واسعة هي “المتورطون في إضرام الحرائق عمداً”، بينما تنص حالياً المادة 399 من قانون العقوبات على الإعدام بنتيجة محددة، وهي وفاة شخص أو أكثر بسبب الحريق المتعمد.
وبموجب النصوص النافذة، يمكن للنيابة طلب الإعدام بالفعل في قضية مرتبطة بالحرائق الأخيرة إذا أثبتت أن متهماً أضرم حريقاً عمداً وأن هذا الحريق تسبب في وفاة الضحايا، لكن وقوع الوفيات أو توقيف مشتبه بهم لا يكفي وحده لتطبيق المادة 399.
صدر الصورة، Getty Images
هل الحرائق مفتعلة؟
لم تعلن السلطات، حتى 31 أغسطس/آب، نتيجة نهائية للتحقيق تثبت أن موجة الحرائق الأخيرة بدأت بفعل متعمد، وقبل يوم من توجيه تعديل القانون، قال تبون إنه لا يستبعد وجود أعمال إجرامية وراء الحرائق، وإن التحقيقات والتحريات الضرورية ستجرى، وفق وكالة الأنباء الجزائرية.
كما نقلت فرانس برس عن السلطات توقيف عدد من الأشخاص للاشتباه بهم في إشعال حرائق، لكن لم تُنشر بعد تفاصيل الأدلة أو قرارات اتهام نهائية تربط أياً منهم بالاثنتي عشرة وفاة.
وبينما شكك تبون في ظروف اندلاع بعض الحرائق قائلاً إنه “من غير الطبيعي أن تندلع الحرائق في نفس الوقت، كتلك التي اندلعت على الساعة الواحدة صباحاً لتنتشر بسرعة دون وجود رياح”، أفاد تقرير لوكالة فرانس برس بأن الرياح القوية وموجة الحر الشديدة قد ساعدتا على اتساع النيران وعرقلتا عمليات الإطفاء.
صدر الصورة، Getty Images
“مع التنفيذ” لا تعني حكماً تلقائياً
لا يعني التوجيه الرئاسي إعدام أي مشتبه به مباشرة، فالتعديل نفسه يجب أن يمر بمراحله الحكومية والبرلمانية، ثم لا تطبق العقوبة إلا بعد تحقيق ومحاكمة وصدور حكم واستنفاد طرق الطعن.
وينص الدستور الجزائري على افتراض براءة المتهم حتى تثبت إدانته أمام جهة قضائية في إطار محاكمة عادلة، كما يقرر استقلال القضاء، ويمنح رئيس الجمهورية في الوقت نفسه حق العفو وتخفيض العقوبات أو استبدالها، وفق النص الدستوري المنشور لدى المحكمة الدستورية الجزائرية.
ولهذا تمثل عبارة “مع التنفيذ” إعلاناً عن نية إنهاء وقف الإعدامات، لكنها لا تلغي اختصاص القضاء أو طرق الطعن أو الصلاحيات الدستورية المرتبطة بالأحكام النهائية.
لا إعدامات منذ 1993
لا تزال عقوبة الإعدام مدرجة في القانون الجزائري، وتواصل المحاكم إصدار أحكام بها في قضايا القتل والإرهاب وغيرها، لكن الجزائر لم تنفذ أي حكم إعدام منذ عام 1993.
ومن الناحية القانونية، لا يفترض أن يطبق أي تشديد جديد بأثر رجعي على أشخاص متهمين بإشعال الحرائق قبل دخول التعديل حيز التنفيذ، فالمادة الثانية من قانون العقوبات تنص على أن القانون الجنائي لا يطبق بأثر رجعي، إلا إذا كان أقل شدة، لكن المتهمين يمكن أن يلاحقوا بموجب العقوبات الموجودة بالفعل إذا ثبت انطباقها على أفعالهم.
سوابق ارتبطت بحرائق 2021
سبق أن واجهت الجزائر جدلاً واسعاً بشأن أحكام الإعدام بعد حرائق منطقة القبائل عام 2021، التي أودت بحياة 90 شخصاً على الأقل.
وخلال تلك الحرائق، قُتل الفنان والناشط جمال بن إسماعيل حرقاً وضرباً على يد حشد اتهمه خطأ بإشعال النيران، رغم أنه كان قد توجه إلى المنطقة للمساعدة في إخمادها.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2022، أصدرت محكمة جزائرية أحكاماً بالإعدام على 49 شخصاً حضورياً وسبعة آخرين غيابياً، بعد إدانتهم بجرائم شملت القتل العمد والتعذيب والإرهاب والإحراق المتعمد.
وأبقت محكمة الاستئناف على 38 حكماً بالإعدام في 2023، قبل أن تلغي المحكمة العليا الحكم في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 وتأمر بإعادة المحاكمة.
وكان مقرراً أن تبدأ إعادة محاكمة المتهمين في الأول من مارس/آذار 2026، لكنها أُجلت إلى دورة جنائية لاحقة بناءً على طلب الدفاع، بحسب تقرير عن قرار المحكمة.
وخلال صيف 2026، وقبل الحرائق الأخيرة، أعلنت السلطات القضائية وضع أربعة أشخاص رهن الحبس المؤقت في ثلاث قضايا تتعلق بإشعال ممتلكات غابية عمداً.
وبعد أيام، أعلن القطب الجزائي لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة – آلية قضائية متخصصة استحدثها المشرع الجزائري لتعزيز فعالية ملاحقة الجرائم الخطيرة – معالجة خمس قضايا مرتبطة بجماعات اتهمت بالتسبب في حرائق، وإيداع سبعة أشخاص الحبس المؤقت، ولم تنشر السلطات أحكاماً نهائية في هذه القضايا حتى الآن، وفق وكالة الأنباء الجزائرية.




