هل تُعيد الطائرات ذاتية القيادة رسم خريطة السماء؟

صدر الصورة، Pyka
تحلّق طائرة صغيرة فوق حقل لزراعة البرسيم في وادي سان يواكين بولاية كاليفورنيا الأمريكية، لرشّ المحاصيل على ارتفاع منخفض بصورة مخيفة، بيد أن الخطر على البشر محدود للغاية، نظراً لأن الطائرة ذاتية القيادة.
ويقول راس ماروتسكيه، مهندس لاختبار الطائرات، أثناء تحليق الطائرة بانسيابية فوق الحقل: “تستطيع هذه الطائرة التحليق على ارتفاع منخفض مقارنة بما يستطيع الطيار فعله”.
وأوضح أن التحليق على ارتفاع منخفض يعني تقليل تناثر الرذاذ، الأمر الذي يرشّد استخدام المواد الكيميائية مقارنة بعمليات رشّ المحاصيل التقليدية التي تنفذها طائرات يقودها طيار.
وتعود ملكية الطائرة المسيّرة إلى شركة “بايكا”، التي يعمل بها ماروتسكيه.
وتتخذ الشركة الناشئة مقراً لها في حظيرة طائرات جرى تحويلها تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، وتطل على خليج سان فرانسيسكو، وتصنع طائرات ذاتية الطيران من دون قمرة قيادة، صُمّمت خصيصاً إما لرشّ المحاصيل أو لتوصيل البضائع.
وتعد الشركة واحدة من مجموعة شركات صغيرة تتنافس على إدخال الطائرات ذاتية التشغيل، ثابتة الجناح، إلى الخدمة التجارية.
وقد حظيت سيارات الأجرة الجوية التي تحلّق في المدن، والمعروفة باسم طائرات الإقلاع والهبوط العمودي الكهربائية (eVTOL)، باهتمام كبير في مجال الطيران ذاتي التشغيل.
بيد أن تنافساً أكثر هدوءاً يجري أيضاً بغية نشر طائرات ذاتية الطيران، أولاً في مهام مثل رشّ المحاصيل وتوصيل البضائع، ثم تأمل كثير من الشركة المنتجة في تحقيق هدف نقل الركاب أيضاً في النهاية.
ويقول مايكل نورسيا، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “بايكا” إن “تشغيل خدمة لنقل الركاب على نطاق واسع وتكون متاحة في كل مكان هو الهدف المنشود”، وهو يطمح لتشكيل أسطول كبير من طائرات “بايكا” بسعة حافلات صغيرة، تنقل الركاب ذهاباً وإياباً على امتداد الساحلين الشرقي والغربي للولايات المتحدة.
ويضيف: “يوجد احتمال جيد لأن نصل إلى تلك المرحلة قبل صناعة طائرات الإقلاع والهبوط العمودي الكهربائية”.
ذهبت إلى أحد مواقع اختبار طائرات رشّ المحاصيل التابعة للشركة، على بعد نحو 80 كيلومتراً شرق مصنع الشركة، ويمكن الوصول إليه عبر طريق ترابي وعر، وهو موقع يختبر فيه ماروتسكيه وأحد زملائه تحديثاً برمجياً على طائرة تجريبية.
وتوجد بالفعل نحو 12 طائرة من طائرات شركة “بايكا” في البرازيل، تُستخدم في مهام رشّ محاصيل مثل القطن وفول الصويا، وهي مهمة كان يتولاها سابقاً طيارون.
وتعمل طائرة رشّ المحاصيل بالكهرباء بالكامل، وتوجد بطاريتها في المقدمة، ويمكنها التحليق لمدة نحو 35 دقيقة، وتحمل نحو 300 لتر من مادة الرشّ في خزان يقع في منتصفها.
وتُسمّى طائرات “بايكا” أحياناً بطائرات مسيّرة كبيرة، بيد أن ذلك يبدو وصفاً أقل من حجمها الحقيقي، إذ يبلغ طول الجناح الواحد 11.5 متراً.
وفي داخل حاوية شحن بجوار الحقل، يحدد المهندسون على جهاز كمبيوتر المنطقة التي يريدون من الطائرة رشّها، ثم يخطط البرنامج مسار الرحلة، آخذاً في الاعتبار العقبات، مثل أعمدة الكهرباء القريبة التي سبق تحديدها على الخريطة.
وتجرى عملية الإقلاع، عبر مدرج يقع بجوار الحقل، بسلاسة تامة، وبعد نحو 15 دقيقة، وبعد أن تستشعر الطائرة تراجع مستوى مادة الرشّ لديها، تهبط تلقائياً لإعادة تعبئتها يدويّاً، واستبدال البطارية، ثم تحلّق لتستأنف عملية الرشّ بدقة من نفس الموضع الذي توقفت عنده.
صدر الصورة، Zoe Corbyn
والسؤال هل يختلف الطيران الذاتي عن الطيار الآلي؟
الإجابة نعم الطيار الآلي يتيح مساعدة، على غرار مثبت السرعة ووظائف الحفاظ على المسار في السيارة، أما أنظمة الطيران الذاتي، فتهدف إلى إدارة الرحلة بأكملها، بما في ذلك عملية الإقلاع والهبوط، مع تدخل بشري محدود أو من دون تدخل بشري، باستخدام خوارزميات لمعالجة بيانات أجهزة الاستشعار والتحكم في الطائرة.
وقد كان ظهور الطائرات ذاتية الطيران أبطأ من ظهور السيارات ذاتية القيادة، رغم أنها تعمل في بيئة تُعد عموماً أكثر تنظيماً وقابلية للتنبؤ.
ويقول مايكل كوخندرفر، الخبير في أمان الأنظمة ذاتية الطيران في جامعة ستانفورد، إن ذلك يرجع جزئيّاً إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى “ضاعفت تركيزها” على السيارات، وضخّت مبالغ طائلة في هذه التكنولوجيا.
بيد أن ذلك يرجع أيضاً إلى أن الطائرات تخضع لمعايير سلامة أكثر صرامة من السيارات، الأمر الذي يفرض رقابة أعلى على نشر هذه التكنولوجيا.
ويقول كوخندرفر: “يمكن أن تكون عواقب حوادث الطيران بالغة الخطورة”.
وقد أسهم الاهتمام العسكري في دفع هذه التكنولوجيا إلى الأمام، إذ تمتلك العديد من هذه الشركات عقوداً دفاعية لإثبات أنظمتها واختبارها، وغالبا تواجه عوائق تنظيمية أقل مما تواجهه في القطاع المدني، بينما تورّد بعض الشركات بالفعل منتجاتها لعملاء من المؤسسات العسكرية.
وفي الولايات المتحدة، تُعدّ أكبر طائرة ذاتية التشغيل، ثابتة الجناح، حصلت على تصريح للاستخدام التجاري المدني حتى الآن هي طائرة “بايكا” المخصصة لرشّ المحاصيل، التي حصلت على الترخيص العام الماضي.
بيد أن تشغيلها يقتصر على بيئة زراعية محددة بدقة، ويتطلب وجود مشغّل أرضي ومراقب بصري، وكانت الشركة قد حصلت في وقت سابق على تصريح مماثل في البرازيل، حيث القواعد أكثر تساهلاً.
وتستهدف “بايكا” زيادة إنتاجها من نحو 20 طائرة سنويّاً، في الوقت الراهن، إلى 1,000 طائرة بحلول عام 2030، ويبلغ سعر الطائرة الواحدة 550 ألف دولار، مع تدريب العملاء على تشغيلها.
صدر الصورة، Windracers
ولم توافق المملكة المتحدة حتى الآن على أي عمليات مماثلة طويلة الأمد، بيد أن شركة “ويندريسرز” البريطانية تسعى للحصول على تصريح لإطلاق خدمة شحن ذاتية التشغيل في جزر شتلاند وأوركني، كما تنفذ طائراتها، المصممة لنقل البضائع إلى المناطق النائية، مهاماً أيضاً في أوكرانيا.
ويقول ستيفن رايت، مؤسس الشركة ورئيس مجلس إدارتها: “ستكون هذه أول خدمة لنقل الشحن الجوي الثقيل بواسطة الطائرات المسيّرة بالتأكيد في المملكة المتحدة، وربما في أي مكان آخر”.
ويقول مؤيدو استخدام الطائرات ذاتية التشغيل إنها قد تسهم في معالجة نقص الطيارين، وتنحية البشر عن الأعمال الخطرة، مثل رشّ المحاصيل، وتحسين الكفاءة، من خلال السماح للطائرات، على سبيل المثال، بحمل كميات أكبر من البضائع، وخفض التكاليف إذا كان بإمكان مشغّل واحد الإشراف على عدد كبير من الطائرات.
كما يضيفون أن التشغيل التلقائي يمكن أن يجعل الطيران أكثر أماناً، مستشهدين بتراجع معدلات الحوادث في الماضي مع إدخال المزيد من الأنظمة الآلية.
ولا تزال مجموعات الطيارين متحفظة على الأمر، إذ تصف جمعية طياري الخطوط الجوية الأمريكية “ألبا” الاستغناء عن الطيارين بأنه “مجازفة خطيرة بالسلامة وخطوة تتجاوز الحد”.
وتقول الجمعية الوطنية للطيران الزراعي في الولايات المتحدة، التي تمثل طياري رشّ المحاصيل، إن الطائرات المسيرّة الصغيرة قد يصعب على الطيارين رصدها ورؤيتها، وتضيف أن الطائرات التي يقودها طيارون تستطيع رشّ مساحة أكبر بكثير وبسرعة أعلى.
وتصنع شركتا “بايكا” و”ويندريسرز” الطائرات من الصفر، معتبرتين أن ذلك يتيح تصميم أنظمة التشغيل الذاتي فيها منذ البداية، وتخصيص الطائرات لتلائم المهمة المطلوبة، في حين تعمل شركات أخرى على تزويد طائرات أكبر موجودة بالفعل بأنظمة التشغيل الذاتي.
كما تختبر شركة “ريليابل روبوتكس”، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرّاً لها، وتدعمها ذراع الاستثمار التابعة لشركة “بوينغ”، نظامها حاليّاً على طائرة من طراز Cessna 208B Grand Caravan، وهي طائرة شحن يقودها طيار واحد، ويمكنها حمل نحو 1,360 كيلوغراماً من الحمولة لمسافة تمتد لمئات الكيلومترات.
ويقول روبرت روز، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة، إن إعادة تجهيز الطائرات المعتمدة تتيح للشركة التركيز حصرياّ على إثبات سلامة نظام التشغيل الذاتي، بدلاً من الاضطرار أيضاً إلى الحصول على اعتماد لطائرة جديدة.
أما شركة “ميرلين لابس”، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرّاً لها أيضاً، فقد تدرجت في العمل على طائرات عسكرية متزايدة الحجم، وهي تطبق نظامها الآن على طائرة النقل العسكرية طراز Lockheed Martin C-130J التي يقودها طياران، على أن تكون طائرات الشحن التجارية، متعددة أفراد الطاقم، الخطوة التالية.
ويشرح مات جورج، مؤسس الشركة ورئيسها التنفيذي: “إنه نظام مشترك للتشغيل الذاتي يمكنه الانتقال بين طائرات مختلفة”.
صدر الصورة، Reliable Robotics
وتختلف الشركتان أيضاً في نهجهما تجاه الذكاء الاصطناعي.
فشركة “ريليابل” تتجنب استخدام الذكاء الاصطناعي تماماً، بحجة أنه سيزيد من تعقيد عملية الاعتماد، أما شركة “ميرلين” فتتبنى نهجاً أكثر اعتماداً على الذكاء الاصطناعي بكثير.
كما يتضح هذا الانقسام فيما يُعرف باسم أنظمة “الرصد والتجنب”.
ويتمثل أحد أكبر تحديات الطيران الذاتي في محاكاة قدرة الطيار على رصد الطائرات والعوائق الأخرى والمناورة بأمان حولها، ولا يكاد يكون هناك أي هامش للخطأ.
وفي ظل عدم وجود حل مثالي حتى الآن، تضيف الشركات أنظمة استشعار مختلفة، كما تكرر بعض الأنظمة، التي تأتي أصلاً ضمن التجهيزات القياسية، لتوفير وسائل احتياطية إضافية.
وقد أضافت “ريليابل” جهاز رادار (جو-جو) موجّهاً إلى الأمام لرصد الطائرات الأخرى من مسافة تتجاوز ثمانية كيلومترات أمام الطائرة، مع برنامج يتبع قواعد ثابتة لتحديد كيفية استجابة الطائرة.
ويقول روز إن الجهاز “أفضل من عين الطيار”.
أما “ميرلين”، فتستخدم كاميرات تعمل بالذكاء الاصطناعي لرصد الأجسام وتصنيفها.
كما تستخدم “بايكا” تقنية الكشف وتحديد المدى باستخدام الضوء، المعروفة اختصاراً باسم ليدار، منذ البداية لاكتشاف الأشجار والمركبات والطيور الكبيرة والتضاريس، بيد أن هذه التقنية قصيرة المدى، ولذلك تعتزم الشركة أيضاً إضافة كاميرات تعمل بالذكاء الاصطناعي، في أول استخدام حقيقي للذكاء الاصطناعي على متن طائراتها.
ويقول نورسيا: “لا توجد حاجة لاستخدام الذكاء الاصطناعي كثيراً، لكن يمكن استخدامه في تحديد إذا كانت تلك البكسلات (نقاط الصورة الرقمية) البعيدة تمثل طائرة أم مجرد بقعة أخرى، فهذا هو المجال المثالي لاستخدامه”.
وتمتد معضلة الذكاء الاصطناعي أيضاً إلى مراقبة الحركة الجوية.
ففي المجال الجوي المشترك، يجب أن تكون الطائرات قادرة على استقبال تعليمات الراديو وتفسيرها والاستجابة لها، وتصدر هذه التعليمات عادة عن مراقبة الحركة الجوية.
ويتمثل حل “ريليابل” في الاستعانة بطيار عن بُعد على الأرض، مدرّباً تدريباً كاملاً، ليتولى الاتصالات واتخاذ القرارات الحاسمة المتعلقة بالسلامة.
وتعتزم “ميرلين” استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي جرى تدريبه على آلاف الساعات من الاتصالات المسجلة، لتفسير التعليمات والاستجابة لها بنفسه.
ويقول جورج: “مشكلتنا أصعب، لكننا نريد أن نتجاوز القيادة عن بُعد”.
وتخطط “ميرلين” لخفض عدد الطيارين على مراحل، من اثنين إلى واحد، ثم الاستغناء نهائياً عن الطيارين.
ويقول نورسيا إن شركة “بايكا” راضية عن “إفساح المجال” للآخرين للتوصل إلى أفضل وسيلة للتشغيل في المجال الجوي المشترك.
في ذات الوقت، وحتى إذا ظل الطيران المستقل بالكامل للركاب بعيد المنال، يتوقع كثيرون أن تشق التكنولوجيا التي يجري تطويرها حالياً طريقها تدريجياً إلى الطيران التجاري، على نحو قد يسهم في جعل الطيران بقيادة الطيارين أكثر أماناً.
وتشير جمعية الطيارين الأمريكية إلى أن ذلك سيكون تطوراً موضع ترحيب.




