من وعد بلفور إلى وعيد بن غفير!


هذا الوعد وضع الأساس الذي بنيت عليه الجهود لاحقا لتحقيق “الحلم” الصهيوني في فلسطين. بالمقابل تلخص موقف الهرب من هذا الوعد في مقولة شائعة هي “أعطى من لا يملك لمن لا يستحق”.
وعد بلفور أدرج لاحقا ضمن صك الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي منحته عصبة الأمم، وكُلِّفت بموجبه بريطانيا بتسهيل إقامة وطن قومي لليهود. هذه الخطوة يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها الركيزة الدبلوماسية التي مهدت الطريق لتأسيس دولة إسرائيل عام 1948، ما جعل من “وعد بلفور” حجر الزاوية في تاريخ العلاقات البريطانية الإسرائيلية.
الانتداب البريطاني بين عامي 1920-1948، أُضفي الطابع الرسمي على مبادئ وعد بلفور من خلال عصبة الأمم، التي منحت بريطانيا حق الانتداب لحكم فلسطين. منح ذلك الانتداب بريطانيا سيطرة سياسية وإدارية مباشرة على المنطقة لما يقرب من ثلاثة عقود، وهي الفترة التي أُرسيت خلالها البنية التحتية للدولة اليهودية، بما في ذلك المؤسسات والأعداد المتزايدة من المهاجرين اليهود من مختلف أصقاع الأرض.
عمليا، كان البريطانيون هم من وضعوا الأساس لـ “الوطن القومي اليهودي” الذي تحول لاحقا إلى دولة إسرائيل. قررت الحكومة البريطانية في ذلك الوقت، بصفتها الحليف الرئيسي لليهود، دعم الصهاينة، مستغلةً في ذلك انتدابها لإدارة فلسطين، وقامت الإدارة البريطانية بتسهيل عمليات شراء المنظمات اليهودية للأراضي الفلسطينية، ما مكن المستوطنين من ترسيخ وجودهم وتطوير أنشطة زراعية واقتصادية أخرى. وضع هذا الأمر الأساس الاقتصادي للدولة فيما بعد.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية ومع تصاعد التوترات بين العرب واليهود وتراجع قوة بريطانيا، قررت الحكومة البريطانية التخلص من هذا العبء الثقيل. في عام 1947، أعلنت أنها ستنهي الانتداب من جانب واحد، وسلمت القضية برمتها إلى منظمة الأمم المتحدة التي كانت قد تأسست حديثاً.
حين اقترحت الأمم المتحدة خطة لتقسيم فلسطين إلى دولتين منفصلتين، عربية ويهودية، فضلت بريطانيا الامتناع عن التصويت بدلاً من تأييد الخطة.
اتسمت مواقف بريطانيا بالتردد في المراحل الأخيرة، ولم تكن خطوة تخليها عن انتدابها عام 1948 سوى إقرارٍ بالفشل. ظهر هذا التردد جلياً في إرجاء بريطانيا الاعتراف الرسمي بإسرائيل حتى أبريل 1950، ما عكس حالة من التردد العميق إزاء النتيجة التي ساهمت هي نفسها في التمهيد لها.
منذ أن اعترفت بريطانيا بإسرائيل تعمقت العلاقات بين الجانبين. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن بريطانيا كانت من أوائل الدول التي تبنت رسميا تعريف “التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست” لمعاداة السامية.
قبل سنوات قليلة وتحديدا في عام 2021، وقع البريطانيون والإسرائيليون اتفاقية للتجارة الحرة، ما جعل المملكة المتحدة واحدة من أكبر أسواق التصدير لإسرائيل.
أما بالنسبة للتعاون العسكري، فقد كان عنصرا محوريا في العلاقة بين الدولتين. منذ خمسينيات القرن الماضي، شاركت بريطانيا في تسليح إسرائيل، وفي السنوات الأخيرة، أصبح التعاون أكثر تعقيدا وتكاملا من الناحية التكنولوجية.
تُعد بريطانيا على سبيل المثال، شريكا رئيسيا في برنامج المقاتلة “إف-35″، حيث تدخل مكونات بريطانية الصنع، مثل هيكل الطائرة الخلفي وأنظمة التحكم في الطيران، في تصنيع طائرات “إف-35” الإسرائيلية التي استُخدمت في العمليات العسكرية ضد غزة ولبنان وإيران.
علاوة على ذلك، جرت خلال حرب غزة التي تلت أحداث 7 أكتوبر 2023، ما لا يقل عن 49 زيارة رسمية لمسؤولين من وزارة الدفاع البريطانية إلى إسرائيل، كما شاركت القوات البريطانية في التصدي للهجمات الإيرانية على إسرائيل.
اتسمت العلاقات البريطانية الإسرائيلية في الفترة الأخيرة، ولا سيما منذ اندلاع حرب غزة عام 2023، بتحول لافت، حيث دأبت الحكومة البريطانية بشكل متزايد، على توجيه انتقادات للسلوك العسكري الإسرائيلي وللوضع الإنساني في قطاع غزة، مع تأكيدها المستمر على حق إسرائيل في الدفاع عن النفس.
تُرجم هذا الموقف إلى خطوات ملموسة، وأعلنت بريطانيا في عام 2025، تعليق المحادثات الرامية إلى إبرام اتفاقية تجارة حرة مُحسّنة مع إسرائيل.
تشديد الخطاب والسياسات: في عام 2026، اعتذر رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام عن تأخر بريطانيا في الدعوة إلى وقف إطلاق النار، ما شكل تحولا جذريا عن السياسات السابقة.
هذا الموقف البريطاني الجديد أفضى إلى حظر استيراد السلع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية واحتمالية فرض حظر على تصدير الأسلحة، وهي خطوات أثارت ردود فعل غاضبة مليئة بالوعيد في إسرائيل، حتى أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، نكاية ببريطانيا، دعا إلى اعتراف إسرائيل بسيادة الأرجنتين على جزر فوكلاند.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
إجراءات وغضب إسرائيلي ضد بريطانيا
أعلنت الخارجية الإسرائيلية سلسلة إجراءات ضد بريطانيا على خلفية قرارها حظر منتجات المستوطنات؛ وقالت إن الإجراءات تتضمن غلق القنصلية البريطانية بالقدس الشرقية..



