مقالات

الصداقة بين اللباقة والحماقة

بين نصيحةٍ تحفظ الود ومجاملةٍ تتركه للخطأ، يظهر الفرق بين الشخصيتين.

Listen to this article

أ. محمد سعد القحطاني

ليس كل من يوافقك صديقاً، ولا كل من يعارضك خصماً. أحيانًا يقول لك الصديق ما لا تحب سماعه، لكنه يقوله لأنه يخاف عليك؛ وأحيانًا يبتسم لك آخر، ويتركك تمضي في طريق يعرف أنه يؤذيك، كي لا يخسر رضاك.

اللباقة أن تختار كلماتك بعناية، لا أن تخفي الحقيقة، وأن تنصح صديقك من غير أن تجرح كرامته، وأن تختلف معه من غير أن تحوّل خلافكما إلى خصومة. فالحقيقة لا تفقد قيمتها حين تُقال بلطف، بل قد تصل أبعد حين لا تُلقى في وجه صاحبها كحجر.

أما الحماقة، فهي أن يظن المرء أن الوفاء يعني الموافقة على كل شيء، وأن الصداقة تمنحه حق التدخل في حياة صاحبه أو إحراجه أمام الآخرين. ومنها أن يكتم النصيحة خوفًا من العتاب، أو يندفع في لومٍ لا ينفع، ثم يسمي ذلك صراحةً.

الصديق لا يملك صاحبه، ولا يراقب خطواته، ولا يجعل أسراره مادة للمجالس. يقف قريبًا حين يحتاجه، ويترك له مساحة حين يحتاج إلى التفكير. وإذا أخطأ لم يفضحه، وإذا اعتذر لم يحوّل الاعتذار إلى باب مفتوح للمنّة.

قد تصمد الصداقة أمام اختلاف الرأي، لكنها تتعب من الاستهزاء والتقليل وتكرار التجاوز. فاللباقة ليست مجاملة فارغة، بل احترام يظهر في نبرة الصوت، وتوقيت النصيحة، وحفظ الود عند الغضب.

الصداقة الحقيقية لا تطلب منك أن تكون كاملًا، لكنها تتمنى لك أن تكون أفضل. وبين كلمةٍ تُقال في وقتها وكلمةٍ تُقال لتنتصر، يتبين الفرق بين صديقٍ يعرف كيف يحفظ الود، وآخر يظن أن قربه يعفيه من الحكمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى