الرئيسيةثقافة

روايـــــة غـــيـــث

Listen to this article

أحوال – المؤرخ  عبد الحي ابراهيم الغبيشي الزهراني

  تزامننا مع يوم التأسيس وذكرى تأسيس الدولة السعودية صدر للكاتب والقاص “محمد جبران” رواية جديدة باسم “غيث “تقع في مائة وستون صفحة حجم متوسط مستوحاة من قصص واحداث في الماضي تشبه إلى حد كبير قصص بعض الامراء والقادة المناضلين من قبائل الجنوب الذين كانوا قادة ضمن جيوش الدولة السعودية الأولى في الدفاع عن الوطن ضد الدولة العثمانية في الحجاز أمثال طامي بن شعيب وبخروش بن علاس وابن دهمان وفهاد بن شكبان وابن حطامل ومسلط بن قطنان.

الصورة

  الرواية “غيث ” محاكة لحدث بعينة وبطولة حربية تدور أحداثها حول شخصية نضالية ومكان وزمان بعينه وقعت فيه تلك الاحداث التي أكتنفها الكثير من الغموض والجدل وقد جمع فيها الروائي بين الحقيقة والخيال وبين الرواية التاريخية والرواية الوطنية بأسلوب سردي وحبكة نمطية ليست مركبة اعتمد فيها القاص على مخزون ثقافي ومورث تاريخي استمده من الماضي وعاش بعض فصولها في القرية، وبكونه قارئ جيد لتلك الاحداث وصاحب نظرة ثاقبة ورؤية معينة كونه شخصية مطلعة على الحراك و الأحداث القديمة وقد يكون له مأرب ليست عصبية وإنما إنتمائه يبحث من خلالها في اعماق القارئ أشجان حول الماضي الذي يلفه الكثير من الغموض وتعتريه مشاعر وهموم تبعث في زوايا الضلوع مأثر الحقبة القديمة ليرتشف من ذكريات الماضي ما يحتاجه من المشاعر والهموم وكانه يهفو بها الى حطين، حشد لها الروائي بعض الصور والاحداث و الأبعاد النفسية و الإجتماعية حتى ينجلي المعترك الأساسي للبطل وذلك ضمن البناء الروائي وتشابك الاحداث بين اساسية ومتشعبة وبعضها غير غزير إلا أن القاص كان ماهراً في الاخذ بخيوط تلك الأحداث الواضحة عبر التاريخ حتى ينمي الحبك الروائي- وقد كان – وكوني شغوف بقراءة التاريخ فقد أستمتعت بقراءة الرواية ودقة وجمال الوصف والتصور والسيناريو والخيال الذي أخذه الروائي قالبا لرواية مع بعض الأدوات الأخرى كاللغة والصور البلاغية والاستعارة والتشبيه والمقاطع السردية والإمتاع بإبداع للإيهام بالحقيقة وإظهار بعض الصور والعادات الإجتماعية وهذه من مقومات الكتابة الناجحة وكأن الرواية انقلبت من خيالية إلى واقعية.

هذه رؤيتي وقراءتي المتواضعة وقد يرى غيري خلف ذلك

بداء الرواية من المكان “قرية العثمان” بوصف دقيق وأطلاله جغرافية بديعة عن عبقرية المكان ووصف الطبيعة الخلابة التي تحتضن هذه القرية ثم عرج إلى تنوع المناخ في فصول السنة في القرية، ثم أنتقل إلى زمن ولادة الشخصية “غيث” بطل الرواية فقد وصف زمنها بأنها كانت في ليلة حالكة السواد وبرودة شديدة وحالة بائسة فقيرة وتطرق إلى صعوبة الولادة و بدائية التوليد وعادات نساء القرية في زيارة المرأة الوالد وما يعرف (بالمقهويات ) مجسداً في ذلك الحوار الذي دار بينهن حجم المعاناة والمتاعب التي تقاسيها المرأة الريفية والجفاف العاطفي من الرجل وقسوة الرجال مع جور الحموات مبررا لها بالتضاريس والعادات والتقاليد التي ربما يكون لها دور في سلوك إنسان ذلك الزمان وأيضا الطبيعة التي جُبِلوا عليها مشيراً إلى إنغلاق مجتمع القرية داخل إيطار من العادات والتقاليد، إختيار اسم غيث الذي جعله عنوان للقصة-وهو عنوان جذاب وشيق لا يفضح محتوى القصة-هذا الإسم أوحى بضلالٍ كثيفة على أحداث الرواية المتتالية ونلمح مدى تأثر الروائي بسيرة العظماء الذين تتوفر ظروف صعبة تحيط بأيام ميلادهم وتصنع بداخلهم ظلال من الطموح والتفاؤل والأمل لذلك كان الإسم “غيث” وأيضا مدى التفاؤل والتشاؤم عند أهل القرية والعادات في إختيار مثل هذه الأسماء يقولون خفيف أوثقيل قد يلجؤون في ذلك إلى بعض المنجمين والمشعوذين.

الصورة

طفولة “غيث” في القرية وصفها الروائي بأسلوب نثري بديع في صفحة 24 مراحل التغير التي يمر بها

“غيث” وحالته الذهنية

فن الرؤيا والحكاوي لدى الأمهات والجدات ليلاً والمغازي منها والتي تكون أغلبها من نسج الخيال أو مقتبسة من كتب قديمة و أساطير وتنوعها ما بين تخويف وتأديب التحفيز على الشجاعة عند الحروب … بطل الرواية أستهوته الأخيرة.

حوار بين “غيث” و “صالح”

وصف دقيق لحياة الريف وحركة أهله من شروق الشمس وضجيج النهار وسكون وعتمت الليل مشيراً إلى دأب أهل القرية وإنهماكهم في الأعمال اليومية من زراعة ورعي و رتابة لا تتغير مع ظروف الحياة الصعبة بدون بارقة أمل في التغير ، وإيجاد مقارنة بين شكلين من أشكال الحياة في القرية والمدينة ولكل ميزاته وعيوبه من خلال حوار بين “غيث” و “صالح” ، و استطرد القاص يحشد خيوط مشهد الصورة حول “غيث” منذ طفولته وعندما شب عن الطوق وحتى أصبح شاباً يافعاً يسرح ويمرح في طرق القرية ومناكبها وكأنه يشعر مع الصباح أن لون النصر يتبادل في وجه هذا الفتى وأن الهواء يحمل نسمات قد يتنفس بها …

 

الصورة

 توجه الوالي الى قرية للنيل من البطل غيث

   إن الوالي في مصر وهو أعظم سلاطينها يتوجه بنفسه تاركاً حكم مصر و مهام سياسية عظامة وذهب إلي تلك القرية النائية وحصارها و تبادل إطلاق النار إطلاق القذائف الكثيفة على القلعة؟ وهناك حقائق تاريخية أخفاها الروائي منها مشاركة قوي أخرى مع البطل وقد يكون لأنهم لم يكنوا في المشهد الاخير.

الصلح ” الهدنة” بل هي الحيلة الخديعة وهم “يضمرون بدواخلهم أمراً بليل” الهجوم وإقتحام القلعة، أنين الجرحى والثكلى الذي ملأ المكان وجنبات القلعة وقد أستفاض الروائي في تفاصيل ذلك.

الصورة

فقد أُسر القائد “غيث” و غادرة الجيش السلطاني به في ظرف غامضة أضاف عليه القاص الكثير من الغموض.

ردة فعل أحد شخصيات الرواية الثائر “زيد “التي أدت بحياته وموت أمه كمداً عليه مات “زيد ” ولم تُعقم النساء ومازال أحفاده يتكاثرون في هذه القرية العريقة وما أخالك يا إبن “جبران” إلى أحدهم.

مدى التأثر عند الشخصية “غيث”، صراع، حوار مع النفس، تساؤلات، تأمل، الأخذ بالعبرة و مأساة حرق تلك القرية، تمتمة البطل بكلام عن بعض القرى وهو في طريق الأسر ، نهايته، إعدامه كل تلك الأحدث أغرقها في الخيال ولم يفصح عنه الروائي.

جأت فترت تراخي وضعف إرادة أستمرت قرن من الزمان ولكن روح الفداء والإيباء مع الضيم وجذوة الكفاح لم تمت و بقيت مشتعلة بدواخل النفوس (تحت الرماد وميض نار ويوشك أن يكون له ضرم).

الصورة

الأيام القادمة حبلى بالمقاومين والمفاجئات

حوار الشخصية مع نفسه إحاءات كونية وذاتية واستفهامات وتنبأ البطل واستشرافه بمستقبل زاهر وحكم دولة يعمها الرخاء ويسودها العدل الأمن والإيمان كلها اوردها الروائي على لسان البطل -وقد كان – لقد انتهت حكايته وبقيت ذكر البطل وكفاحه خالدة تتناقلها الأجيال وتُكتب بمداد من ذهب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى