هكذا البداية غير المعهودة فيما كتب الدكتور ساري محمد الزهراني تحت العنوان السابق إذ كتب فيما قال: الشعر الشعبيُّ لا يستهويني..!!، وتأكيدًا على ذلك؛ فإنَّني -أيضًا- لا أحسبُ هذا الشعر إلَّا في ذيل القائمة الشعريَّة، إنْ كان له وجود تأريخي، يجرُّه إلى أنواع الشعر الحقيقيِّ…!! إلَّا أنَّني، -في أضيق الحدود- أميلُ إلى سماعه. وإذا قلت (السَّماع)؛ فإنَّني أعني ذلك تمامًا.. فأغلب ما يجود به بعض الشُّعراء الشعبيِّين لا يصلح للقراءة المجرَّدة، ولا يصلح -أيضًا- للتدوين المكتوب، كما هو الحال في الشِّعر الفصيح.
ما يهمني من هذا القول هو أن أعلن اختلافي مع الكاتب، ليس دفاعًا عن هذا اللون من الشعر بقدر ما هو إيضاح لحقيقته، مع تمييزي بينه وبين شعر العرضة الذي يقال في مناسبات القبائل من الطائف إلى جنوب عسير وقحطان. فأنا أتفق مع المقولة:
“كل شعر خلاف الشعر العربي الفصيح هو عامي شعبي”
وذلك لأنه يُقال بلهجة القبيلة التي ينتمي إليها الشاعر، حتى أننا نستطيع معرفة قبيلة المتحدث من لهجته. لكن حين نستخدم لغة التعميم في الحكم على الشعر الشعبي، فإننا نفتح باب الاختلاف، خاصة إذا استذكرنا الشاعر محمد بن ثامرة الزهراني رحمه الله، وقصائده التي ألهبت حماس رجال زهران، فالتفوا حول الشيخ عصيدان بن محمد بن صالح بن غائب في مقاومة العثمانيين الغازين، بعد أن تولى قيادة زهران من بعد الشيخ القفعي، حتى كانت معركة قوب عام 1321هـ التي قادها شيخ بني حسن، وقائد معارك زهران ضد الأتراك القائد الشيخ عصيدان رحمه الله.
ولعل وصف الشاعر محمد بن ثامرة للحرب في قصيدته التالية يعيد للدكتور ساري ذائقته الشعرية من جديد:
خل قتله وقعت من رهوة البر لى صفا العجلاني والجنايز طايحة في قوب لامن داسها تنداس ما صدرنا لين مات الباشه والمطرح خلاص باح.
وفي قصيدة أخرى يصف مواقع المعارك قائلاً:
يالله اكتب صادقتنا في رجب واجعلها حُسن اثوابي ينفقون الناس مال أما نحن ننفق فناديه اي نحن زهران كسرنا دماهي عسكر السلطان من نهار السبت الى يوم الثلاثا والجنايز فيها ورقاب الترك الى واليوم في المعرق معاضله والذي مالناس يحسدنا عن القاله وقولة ونعم يندر اعدا العقبه ينظر فعـــــايلنا وشــــــــغلنا شرط انه يختلف عقله ويذهل حن يشوف الميتى ويقول الساعه قامت وان هذا البعث والنشور.
أما في وصف سوق السبت بالمندق فيقول بن ثامرة:
حي سوق دونه اسم الله وله الحمد وآب جزم دونه الله والمزرفل حنّ بوزرفال يلعب شاني لايخالف فيه حتى الطير بأذن الله ما نفر والذي يكرهك يالمندق عليه النعله والله اكبر حنك النص والبنادر كلها ياسوق ناصفه يسعد المخلوق في اسبالك وجالك وان هبط فيك ابرك واي نحن زهران لاناوي ولا نرحم ولا نحن نعطي الحق والجوازم واللوازم والنقا بالمثلى والقبائل يالباسي بالمدايح يذكرونكم والعصور السابقه باحت وذيكاي الحلاوي مرت والجمال الهايجه ماعاد ترعى في جناب اخي عقلوها محزبي يوم المصيّح يلمح الزهراني والذي ذب ياتمنى حربهم وافا نصيبهم ظنتي لا نتنّوى لشدا لنزلزله ونديره والذهب والفضه ماتغبى علينا والنحاس بين.
ولعل الدكتور ساري يجد في قراءته لهذه الأبيات ما يغير رأيه وأن تيسر له سماعها بصوت الشاغر مغناة يكون أبلغ، كما أتمنى أن يشنف سمعه بسماع الشاعر صالح اللخمي الزهراني في قصيدته الصديق الصادق:
الخساير كثيرة واكبر أنواعها فقد الصديق الصديق الذي تدعي وتلقاه في يسرا وشده وان نصبته تجمل وان توزيت في ظله وزيت والحقيقة ان من ذا الصفه كودا تجدف الميه واحد حتى بعض الأقارب ينكر القرب إذا جار الزمان واكثر الناس وقت العافية ما عد أحلى من هروجه وان جت الزحمة كنك م المظيلف وكنه من سبيع بالله يا كل عاقل ساير الناصر واعرف من تصاحب ثم خذها نصيحة لا تصدق سواليف الضحوك وادرس أحوال من وده يسايرك في خطوة مديه إن لقيتاه ونعم يرفع الراس والا جنبه.
ماذا بقي لي من القول: بقي لي أن أقول ما أردته من هذا الموضوع ليس اعتراضًا على الدكتور ساري، بل إيضاح مالادي وفتح مساحة للنقاش في الشعر الشعب فقد نصل إلى ما يخدم موروثنا الشعبي وقيمته في توثيق الموروث، وإذكاء روح الانتماء، وإبراز الذاكرة الأدبية التي شكّلت وجدان المجتمع الجنوبي، وأسهمت في حفظ تاريخه وملاحمه الوطنية.