شجرة زيتون معمّرة.. منذ آلاف السنين رغم الحروب والويلات

أحوال –
شجرة زيتون معمّرة في الضفة الغربية..صامدة منذ آلاف السنين رغم الحروب والويلات
في الضفة الغربية على بعد عدة أمتار من الجدار الإسرائيلي الفاصل الذي تعلوه الأسلاك الشائكة، لاتزال أقدم شجرة زيتون يعود تاريخها إلى آلاف السنين صامدة في الأرض التي مزقتها الحروب، ولاتزال إلى اليوم شاهدة على المواجهات بين مزارعين فلسطينيين ومستوطنين إسرائيليين والاعتداءات التي تستهدف حقول الزيتون ولا تستثني لا الشجر ولا الحجر ولا البشر.
وبحسب خبراء إيطاليين ويابانيين فإن عمر هذه الشجرة في الولجة يتراوح ما بين 3000 و5500 عام، وقد صمدت لآلاف السنين في الأرض التي اختلط ترابها بالمآسي وتأثرت بالعوامل الطبيعية والمناخية.
أما الجدار الذي يبلغ ارتفاعه 5 أمتار والذي تسبب بفصل أكثر من نصف أراضي القرية الفلسطينية عن أصحابها، إذ تقع هذه الأراضي خلف الجدار، لم يتمكن من النيل من شجرة الزيتون “الأيقونة” كما يقول صلاح أبو علي.
حول جذع هذه الشجرة الضخم وفروعها الممتدة التي أطلق أبو علي على بعضها أسماء أفراد عائلته، يعمل هذا المزارع في ما يشبه واحة صغيرة هادئة.
حتى اليوم، نجت القرية من هجمات المستوطنين التي شهدها موسم الزيتون هذا العام والتي أسفرت عن إصابة العديد من الفلسطينيين.
هجمات المستوطنين تمنع المزارعين من العودة إلى أراضيهم
فقد رُصدت ثماني هجمات على الأقل لمستوطنين على مزارعين فلسطينيين ومتطوّعين أجانب خلال موسم هذا العام الذي بدأ منتصف تشرين الأول/أكتوبر تقريبا. وغالبا ما تنتهي المواجهات بوصول الجيش، واستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود أو منع المزارعين من الوصول أو العودة إلى أراضيهم.
ونادرا ما يتم توقيف أي من المهاجمين، وفق ما تقول منظمات إسرائيلية مدافعة عن حقوق الإنسان.
وقالت هيئة مقاومة الاستيطان والجدار التابعة للسلطة الفلسطينية في رام الله إنها سجلت 2350 هجوما من الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في الضفة الغربية خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر.
تحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967، ويعيش فيها حاليا نحو نصف مليون مستوطن إسرائيلي في مستوطنات وتجمّعات غير قانونية بحسب القانون الدولي.
“زيت الزيتون بترول فلسطين”
في الولجة، لا يزال أبو علي يهتم بشجرته المعمّرة، ويقول إنها يمكن أن تنتج ما بين 500 الى 600 كيلوغرام من الزيتون سنويا.
ويشير إلى أن إنتاج هذا العام كان جيدا رغم الجفاف وقلة الأمطار الذي يشكو منه المزارعون والذي تسبّب بضعف الإنتاج.
يضيف هذا المزارع من الجيل الثالث من عائلته الذي يعتني بالشجرة، إن زيت الزيتون في الأراضي الفلسطينية يمثّل “بترول فلسطين، زيت فلسطين له قدسية خاصة”.

” الذهب الأخضر”
أما زيت شجرة أبو علي فيرى أنه “مختلف، كلما كانت الشجرة معمرّة وقديمة، كان زيتها أفضل وأكثر جودة”، مشيرا إلى أن سعر “الذهب الأخضر” الذي تنتجه الشجرة “أغلى من الذهب”.
يضيف أبو علي ” زيت الولجة غالي جدا، وزيت الشجرة أغلى بأربعة إلى خمسة أضعاف” من زيت باقي الأشجار في مناطق أخرى.
ويبلغ قطر الشجرة 25 مترا وارتفاعها 13 مترا، وتحيط بها عشرات الفروع الكبيرة بحجم أشجار الزيتون العادية التي يبلغ طول معظمها نحو ثلاثة امتار.

رمز الشعب الفلسطيني
في العام 1949، صادرت إسرائيل بعد تأسيسها، جزءا كبيرا من أراضي القرية واضطرت عائلات فلسطينية عديدة الى ترك منازلها والاستقرار على الجانب الآخر الذي يُعرف بخط الهدنة.
وبموجب اتفاقات أوسلو (1993) التي كان من المفترض أن تقود إلى سلام بين الجانبين، صُنّفت معظم الأراضي المتبقية في الضفة الغربية كمناطق (ج)، أي تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
ورغم أن قرية الولجة هي اليوم بمنأى الى حدّ كبير عن الهجمات التي تواجهها المدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية، إلا أنها ليست مستبعدة تماما.
في السياق، يقول رئيس المجلس القروي خضر الأعرج ” اليوم، تتجسد في الولجة تقريبا كل ممارسات الاحتلال ضد فلسطين: المستوطنات، الجدار، هدم المنازل، مصادرة الأراضي، والإغلاقات”.
وتركزت تلك الانتهاكات مؤخرا بسياسة هدم المنازل بحجة البناء دون تراخيص إسرائيلية، وهو أمر شائع في المنطقة “ج” التي تغطي 66 في المئة من الضفة الغربية.
شجرة ” أم الزيتون” معلم طبيعي فلسطيني
مع ذلك، تمثّل هذه الشجرة “العجوز” أو شجرة ” البدوي” أو “أم الزيتون”، “معلّما تاريخياً “، وفق الأعرج الذي يقول إن الشجرة ” أصبحت معلما تاريخياً، والزيتون في فلسطين يعتبر رمزا للشعب الفلسطيني. هذه الشجرة موجودة منذ آلاف السنين وتدلّ على تجذّر الفلسطينيين في المنطقة”.
أبو علي حارس للشجرة
عيّنت وزارة الزراعة التابعة للسلطة الفلسطينية أبو علي حارسا للشجرة التي اعترفت بها كمعلم طبيعي فلسطيني.
وبحسب أبو علي، كانت الشجرة مقصدا للسياح المحليين والأجانب الذين كانوا يتوافدون بأعداد كبيرة لرؤيتها، إلا أن هذه الأعداد تراجعت إلى حد كبير منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة قبل أكثر من عامين، وازدياد الحواجز العسكرية الإسرائيلية في مختلف أنحاء الضفة الغربية وتصاعد العنف.
زرع أبو علي حول الشجرة خضارا وأشجار فاكهة. وهو يحافظ على دفتر مليء برسائل بعشرات اللغات من زوّار يشكرونه على أجواء السكينة التي يعيشونها عند زيارتهم للمكان.
ويقول ” أنا أصبحت قطعة من الشجرة، لا أستغني عنها أبدا، لا أبتعد عنها”.



