مقالات

شعبوية الإعلام السوشلي العربي

Listen to this article

الباحث الأمني لواء م/ طلال ملائكة

لماذا يتجه الإعلام الشعبوي في عالمنا العربي، في كثير من الأحيان، إلى حالة من التهيّج، ويشنّ حروبًا إعلامية على أعلى المستويات، ويحشد الجيوش الافتراضية لمهاجمة الآخر، والاستهزاء بما يحدث لديه من ظواهر سلبية تمسّ جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والرياضية والدينية والسياسية، بل وحتى الظواهر الطبيعية كسقوط الأمطار وغيرها؟
للأسف، يصل هذا الانفلات الإعلامي أحيانًا إلى مستوى السفاف، من قذف وشتائم، ولا سيما مع ملاحظة استخدام “الذباب الإلكتروني” في بعض الأحداث.

عشرات، بل مئات الآلاف من التغريدات البذيئة بحق رؤساء دولنا العربية وشعوبها، محفوظة في أرشيف منصات التواصل الاجتماعي (تويتر، X، فيسبوك، واتساب… وغيرها، والآن تيك توك الصيني). فهل يتوقع البعض أنها تُحذف نهائيًا من الـ”دش بورد”؟
بالطبع لا؛ فقد تُحذف عند نشرها لمخالفتها أنظمة النشر، لكنها تبقى محفوظة لدى الخوادم الرئيسية لتلك الشركات، ولدى جهات دولية أخرى، بعد تصويرها وتبويبها. فالجميع يفعل ذلك في العالم، بما في ذلك وسائل الإعلام العالمية المؤثرة، واليوم بات الذكاء الاصطناعي يسهّل على أي فرد الرجوع إلى تلك الأحداث واستحضارها متى شاء.

هل تابعتم، على سبيل المثال، ما حدث بين الأشقاء في الشرق الأوسط؟

عُمان سابقًا (الخلاف بشأن الإباضية… إلخ).
قطر سابقًا (حصار قطر وقناة الجزيرة… إلخ).
سوريا سابقًا (الثورة السورية، ثم هروب بشار… إلخ).
العراق سابقًا (حرب الخليج، والخلاف على الشيعة، وغزو أمريكا للعراق، والجهاد، والقاعدة، وداعش).
الكويت سابقًا (أثناء حرب الخليج وغزو العراق… إلخ).
لبنان سابقًا (حزب الله، والتدخل السوري، وإجلاء رعايا السعودية… إلخ).
الإمارات (الخلافات على الحدود، والتدخلات الإماراتية في السودان وليبيا واليمن الجنوبي… إلخ).
تركيا سابقًا (التاريخ العثماني).
اليمن سابقًا (تاريخ الحروب اليمنية، وآخرها الحوثي، وحضرموت الآن… إلخ).
مصر (العلاقات المصرية السعودية، تاريخيًا بين الملك فيصل والرئيس جمال، والربيع العربي، وما حدث بصفة عامة من حين لآخر، إلى ما قبل أسابيع).
المغرب (ترشيح كأس العالم).
السودان (جعفر النميري، وتاريخ الإخوان في السودان، والبشير، وجنوب السودان، والدعم السريع، والذهب، والحرب الطاحنة الحالية).

وقِس على ذلك الخلافات بين بعض هذه الدول على الحدود البرية والبحرية، وما رافقها من أحداث، وعشرات بل مئات التوترات بين الأشقاء في عالمنا العربي، وكلها موثّقة ومثبتة؛ فالتاريخ لا يَمحى.

اللافت للانتباه أن الغرب تحدث بينهم اختلافات سياسية واقتصادية وعسكرية، فعلى سبيل المثال، يحلّ الاتحاد الأوروبي خلافاته عبر دساتيره وآليات التفاوض بين دوله، والملاحظ أن شعوبهم لا تهاجم بعضها، ولا تتقاذف تهم الخيانة. قد تخرج مظاهرات مؤقتة تندد بتدخل طرف في الشؤون الداخلية لطرف آخر، أو تنتقد حزبًا بعينه، ثم تعود تلك الشعوب إلى حياتها العامة، وتترك السياسيين لحل المشكلات فيما بينهم عبر برلماناتهم ومؤسساتهم.

أما نحن، الشعوب العربية، فلا… وألف لا.
فهؤلاء خونة، وهؤلاء أصحاب ثروات وأموال مكدّسة، وهؤلاء أصحاب عقائد مخالفة، أو أو أو… ويجب “تأديبهم”، لأنهم قبل ألف سنة، أو مائة سنة، أو حتى قبل سنة، فعل فيهم فلان وعلان، ورئيسهم فعل كذا وكذا! وقد يستدعي البعض حروب “الغبراء وداحس”، ويستحضر تاريخ العرب، وحروب الخليج واليمن، والحرب العالمية الأولى والثانية… إلخ.

يا الله، إعادة تدوير تاريخ آلاف السنين، ومئات السنين، وعشرات السنين!
للأسف، شعوبنا العربية منكسرة، ومحاصَرة العقول داخل “قلعة فكرية” عمرها آلاف السنين، أبوابها مغلقة، إلا من نوافذ قليلة يرى من خلالها بعض أفراد تلك القلعة بصيص النور، وشعاع التحرر الفكري، والتبصّر، والبصيرة، وتغليب الحكمة والرشد.

ألم يحن الوقت أن نُبدي وجهات نظرنا باحترام للآخر، دون قذف أو تخوين، وأن يكون جدلنا بالحسنى، ونعود إلى مرشدنا بالحق:
﴿ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾؟
فنحن العرب تجمعنا أواصر الدين، واللغة، والقيم، والمصالح القومية، والروابط الأمنية المشتركة. فلنحذر أن نكون معاول هدم لهذه الروابط، فـ”المتربص” سعيد، وغالبًا ما يحرّك ويؤجج هذه المحركات السوشيلية، وينتظر نتائجها وتراكماتها السلبية مستقبلًا، ليتخذ منها ذريعة للتدخل المباشر وغير المباشر.

حفظ الله عالمنا العربي من الشقاق والنفاق، وحفظ الله بلاد الحرمين، قبلة الإسلام والمسلمين، قيادةً وشعبًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى