ماذا لو.. !
ماذا لو..

كتب رئيس التحرير صالح بن خميس الكناني
ماذا لو تخلت إيران عن أذرعها وطموحها النووي لصالح “بناء الداخل”؟
في عالم السياسة الواقعية، تبدو الفرضيات الكبرى أشبه بالخيال السياسي، لكن تسارع الأحداث في عام 2026 يطرح التساؤل الأكثر جرأة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث: ماذا لو اتخذت طهران قراراً استراتيجياً بالتخلي الكامل عن شبكة أذرعها العسكرية في اليمن، العراق، ولبنان، وأنهت برامجها النووية والبالستية، لتوجه مقدراتها بالكامل نحو بناء “إيران الداخل” سُكاناً ومكاناً؟
هنا نستشرف ملامح الخارطة الجديدة لـ “إيران صِفر أذرع”، والتحولات التي قد تطرأ على المنطقة وعلى الداخل الإيراني.
1. الداخل الإيراني: من “اقتصاد الحرب” إلى “مارد اقتصادي”
لو قررت القيادة الإيرانية الانكفاء نحو الداخل، فإن نقطة التحول الأولى ستكون اقتصاديًا واجتماعيًا:
-
انفجار التنمية وحل أزمة السكن: الأموال الطائلة التي كانت تُنفق على تسليح وتمويل الفصائل (والتي تُقدر بمليارات الدولارات سنوياً) سيتم ضخها في البنية التحتية. سيشهد المواطن الإيراني ثورة في قطاع الإسكان، وتحديث شبكات المياه والطاقة المتهالكة، وتطوير المدن الكبرى والمناطق الطرفية المهملة.
-
رفع العقوبات والازدهار المعرفي: التخلي عن البرنامج النووي والبالستي يعني تفكيكاً فورياً وشاملاً لجميع العقوبات الدولية. سيتدفق الاستثمار الأجنبي، وتعود شركات النفط والعملاقة التكنولوجية، مما يستوعب ملايين الشباب العاطلين عن العمل، ويتحول المجتمع الإيراني الفتّي (السكان) من حالة الاحتقان السياسي إلى الرفاهية الاقتصادية.
2. لبنان: حزب الله أمام “اللبننة القسرية” أو السقوط
في حال رفعت طهران يدها بالكامل عن لبنان:
-
سقوط فائض القوة: سيفقد حزب الله شريان الحياة المالي والعسكري الأساسي. هذا لن يؤدي بالضرورة إلى اختفائه، بل سيوجه ضربة قاضية لـ “فائض القوة” الذي يمتلكه على الدولة.
-
الاندماج في النظام: سيُجبر الحزب على “اللبننة الفورية”، أي تسليم سلاحه للجيش اللبناني والتحول إلى حزب سياسي تقليدي خاضع بالكامل للقوانين المحلية، مما يفتح الباب لاستقرار سياسي طال انتظاره في بيروت وتدفق المساعدات الدولية لإعادة الإعمار.
3. العراق: نهاية “الدولة الموازية” واستعادة السيادة
يعد العراق الساحة الأكثر تأثراً بالنفوذ الإيراني، وغيابه سيعني إعادة تشكيل الدولة:
-
ذوبان الفصائل: الفصائل المسلحة التي تستمد شرعيتها وقوتها من الدعم الإيراني ستجد نفسها مكشوفة سياسياً وعسكرياً.
-
تقوية مؤسسات الدولة: سيؤدي هذا السيناريو إلى إنهاء ظاهرة “السلاح المنفلت” وذوبان هذه الفصائل قسراً داخل مؤسسات الجيش والشرطة العراقية. وسينعكس ذلك إيجاباً على استقرار العراق ومحيطه العربي، ويحوله من ساحة لتصفية الحسابات إلى جسر اقتصادي في المنطقة.
4. اليمن: الحوثيون في مواجهة “عزلة الجغرافيا”
يمثل الحوثيون الطرف الأكثر راديكالية (تطرفاً) في المحور، وتخلي إيران عنهم سيغير معادلة الحرب والسلم:
-
قطع الشريان التكنولوجي: يتوقف تدفق الخبراء، وقطع غيار الطائرات المسيرة، والصواريخ البالستية.
-
الخضوع للسلام: بدون الظهر الإيراني، لن تمتلك الجماعة القدرة على تهديد الملاحة الدولية أو الجوار الإقليمي. سيجد الحوثيون أنفسهم مجبرين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات اليمنية-اليمنية من موقف أضعف، والقبول بحل سياسي يدمجهم كمكون محلي وليس كحاكم مطلق بقوة السلاح.



