
أ. محمد سعد القحطاني
في اليوم الوطني لا نبحث عن الفرح؛ فالفرح هو الذي يجدنا. يأتينا من رايةٍ خضراء تعلو في السماء، ومن طفلٍ يردد اسم وطنه بعفوية، ومن شابٍ يرى مستقبله يتشكل أمامه، ومن شيخٍ يتأمل ما كانت عليه البلاد وما أصبحت عليه، فيبتسم وكأن كل منجزٍ جديد امتدادٌ لعمره وذاكرته. إننا في هذا اليوم لا نستعيد تاريخاً مضى فحسب، بل نحتفي بوطنٍ يتجدد أمام أعيننا، يكبر بنا ونكبر به، ويمنح أبناءه من أسباب العزة ما يجعل الانتماء إليه شعوراً لا يحتاج إلى شرح، والفخر به حقيقةً لا تحتاج إلى مبالغة.
اليوم الوطني ليس مناسبةً عابرة في التقويم، ولا احتفالاً ينتهي بانطفاء الأضواء؛ إنه يومٌ تستعيد فيه الذاكرة الوطنية سيرة التوحيد، وتقرأ فيه الأجيال معنى أن تقوم دولةٌ عظيمة من قلب التحديات، وأن تتحول مساحةٌ مترامية الأطراف إلى وطنٍ واحد، تجمعه العقيدة، وتحميه الدولة، وتوحده الراية، وتسكنه هويةٌ راسخة لا تزيدها الأيام إلا قوةً ووضوحاً.
بدأت الحكاية حين خاض المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود —طيب الله ثراه— ملحمة التوحيد بإيمان القائد، وحكمة رجل الدولة، وشجاعة من أدرك أن بناء الأوطان لا يكتمل بتوحيد الأرض وحدها، بل بتوحيد القلوب وإقامة العدل وصناعة الأمن. فجمع بعد فرقة، ووحّد بعد شتات، وحوّل الخوف أمناً، والتنازع استقراراً، واتساع المكان وطناً واحداً تتجه إليه القلوب قبل الطرق.
لم يكن توحيد المملكة حدثاً سياسياً محدودةً بزمانه، بل كان بداية مشروع حضاري متكامل، تأسست عليه دولةٌ جعلت كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دستوراً، وخدمة الحرمين الشريفين شرفاً ومسؤولية، وخدمة المواطن غايةً للتنمية. ومنذ ذلك اليوم، تعاقب ملوك هذه البلاد على حمل الأمانة، فواصل كل عهدٍ البناء على ما سبقه، حتى أصبحت المملكة دولةً راسخة المؤسسات، عظيمة المكانة، مؤثرة الحضور، تجمع بين أصالة تاريخها واتساع طموحها.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود —حفظه الله— وبدعم وقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء —حفظه الله— دخلت المملكة مرحلةً جديدة من التحول الوطني؛ مرحلةً لم تكتفِ بالمحافظة على المكتسبات، بل وسعت إلى مضاعفتها، ولم تنتظر المستقبل، بل شرعت في صناعته بإرادةٍ واضحة، ورؤيةٍ تعرف إمكانات الوطن، وتثق بقدرة الإنسان السعودي على تحويل الطموح إلى واقع.
لقد جاءت رؤية السعودية 2030 لتعيد تعريف الممكن، وتفتح أمام أبناء الوطن آفاقاً أرحب للعمل والإبداع والمشاركة. ولم تعد الأحلام الوطنية مؤجلةً إلى زمنٍ بعيد؛ فقد أصبحت مشروعاتٍ تُبنى، ومدناً تتطور، وقطاعاتٍ تنمو، وفرصاً تتسع، ومبادراتٍ تمس حياة الإنسان وتمنحه دوراً حقيقياً في صناعة مستقبل بلاده. اقتصادٌ يتنوع، واستثمارٌ يتوسع، وتقنيةٌ تتقدم، وثقافةٌ تستعيد حضورها، وسياحةٌ تكشف للعالم ثراء المكان، ورياضةٌ تصنع حضوراً عالمياً، ومشروعات كبرى تقول بلغة العمل إن المملكة لا تكتفي بمواكبة المستقبل، بل تسهم في تشكيله.
والمنجز السعودي اليوم لا يُقاس بحجم المباني والمشروعات وحدها، بل بما صنعه من ثقةٍ في الإنسان. فالشاب السعودي أصبح أكثر حضوراً في ميادين العمل والابتكار والقيادة، والمرأة السعودية أثبتت جدارتها في مواقع متعددة، والمبدع وجد مساحةً أوسع ليعبّر عن موهبته، ورائد الأعمال وجد بيئةً تحتضن فكرته، وأبناء الوطن جميعاً أصبحوا شركاء في مسيرةٍ تؤمن بأن أعظم ثروات البلاد ليست في باطن أرضها وحده، بل في عقول أبنائها وعزائمهم.
ولا تنفصل فرحتنا بالمنجز عن اعتزازنا بثوابت هذا الوطن؛ فالمملكة، وهي تتقدم بثقة نحو المستقبل، تظل متمسكةً بعقيدتها، معتزةً بهويتها، وفيةً لتاريخها، قائمةً على قيمها. وهذا هو سر قوتها: أنها لا ترى في الحداثة قطيعةً مع الجذور، ولا في الانفتاح تنازلاً عن الثوابت، بل تمضي إلى العالم بهويتها السعودية الواضحة، وتستقبل المستقبل وهي أكثر اعتزازاً بإرثها ومكانتها ورسالتها.
وطننا ليس أرضاً نسكنها وحسب؛ إنه أمنٌ نشعر به، وكرامةٌ نحياها، وذاكرةٌ تسكننا، ومستقبلٌ نشارك في بنائه. هو دعاء الأمهات لأبنائهن، وعزيمة الجنود المرابطين على حدوده، وإخلاص العاملين في مؤسساته، وطموح الطلاب في مدارسه وجامعاته، وعرق البنّائين في مشروعاته، وإبداع الموهوبين في ميادينه. المملكة حكاية شعبٍ يرى في خدمة وطنه شرفاً، وفي المحافظة على مكتسباته واجباً، وفي الدفاع عنه عهداً لا يتبدل.
إن فرحتنا في اليوم الوطني ليست زينةً عابرة، ولا لوناً أخضر يملأ الشوارع وحدها؛ إنها امتنانٌ لوطنٍ منحنا الأمن والكرامة والانتماء، ووفاءٌ لمن أسسوا وبنوا وضحوا، واعتزازٌ بقيادةٍ جعلت طموح المملكة كبيراً بحجم مكانتها، ومحبةٌ لأرضٍ كلما تقدمت خطوةً شعر كل سعودي أن قلبه هو الذي تقدم معها.
ومثلما يمنحنا اليوم الوطني حق الفرح، فإنه يضع أمامنا مسؤوليةً تليق بهذا الفرح. فحب الوطن لا يكتمل بالكلمات وحدها، بل يظهر في الإخلاص في العمل، والمحافظة على الممتلكات العامة، واحترام الأنظمة، ونشر الوعي، وحماية الوحدة الوطنية، ومواجهة الشائعات، وإتقان كل مهمةٍ تُسند إلينا. فالأوطان العظيمة لا يبنيها القادة وحدهم، بل يبنيها شعبٌ يعرف قيمة وطنه، ويؤمن بأن كل عملٍ صادق، مهما بدا صغيراً، هو لبنةٌ في صرحه الكبير.
وفي يوم الوطن تتعدد الأصوات، لكن الشعور واحد؛ تختلف المدن والمناطق والقبائل واللهجات، لكن الراية واحدة؛ تتباعد المسافات، لكن المملكة تجمعنا في قلبٍ واحد. من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، تتجدد البيعة للمكان والقيادة والتاريخ، ويقف السعوديون أمام رايتهم لا بوصفهم أفراداً جمعتهم الحدود، بل شعباً صنعت وحدته قصةً من أعظم قصص البناء في التاريخ الحديث.
هذا وطنٌ لا يطلب منا أن نفرح به فقط، بل يمنحنا كل يومٍ سبباً جديداً للفرح. وطنٌ إذا ذكرنا ماضيه اعتززنا، وإذا نظرنا إلى حاضره اطمأننا، وإذا تأملنا مستقبله ازددنا ثقةً وأملاً. وطنٌ يقف شامخاً بين الأمم، ثابتاً في مبادئه، مؤثراً في محيطه، حاضراً في قرارات العالم، وماضياً نحو غاياته بعزيمةٍ لا تعرف التراجع.
ولهذا لا نقول في يومه فقط: كل عامٍ ووطننا بخير، بل نقولها بفرحٍ يليق به، وبوفاءٍ يساوي فضله، وبثقةٍ تليق بمستقبله:
كل عامٍ والمملكة عزٌّ لا ينحني، وأمنٌ لا يتزعزع، ومجدٌ لا يتوقف.
كل عامٍ ورايتنا خفاقة، وقيادتنا عزيزة، وشعبنا وفيٌّ لوطنه.
وكل عامٍ والسعودية وطنٌ يليق بالفرح، وحكايةٌ عظيمة لا تنتهي.
وبهذه المناسبة، أزف إلى وطني هذه الأبيات:
كل عامٍ وأنتِ داري يا السعودية
كل عامٍ وأنتِ عشقي يا أغلى الأوطان
بيتي الدافئ وداري يا السعودية
شامخةٌ فوق الدول في ظل سلمان
قائدك خادم بيوت الله
افخري، عليك ذِكر الله
ارفعي الخفّاق أخضر
وردّدي: الله أكبر
كل عامٍ وأنتِ يا بلادي بخير
كل عامٍ وأنتِ يا بلادي بخير