في بيتٍ هادئ، لم يُكسر الباب، ولم يتسلّق أحدٌ السور، ومع ذلك دخل غريبٌ لا يعرفه أهل الدار، وعرف أخبارهم ومواضع ضعفهم، ثم أخذ من استقرار البيت ما لم يستطع لصٌّ أن يأخذه.
لم يكن للغريب جسدٌ يُرى؛ كان اسماً مستعاراً وكلماتٍ تظهر على نافذة مضيئة بحجم الكف.
تتشابه البدايات: بثٌّ مباشر لتمضية الوقت، وتعليقٌ عابر، ومجاملةٌ ترفع المعنويات، ثم هديةٌ رقمية تبدو بلا ثمن. غير أن بعض الهدايا لا تُمنح لتُسعد صاحبها، بل لتفتح باباً؛ فخلفها انتظارٌ لرد، ثم حديثٌ خاص، ثم أسئلةٌ تتسلل من أطراف الحياة إلى قلبها.
في هذه المساحات تختفي المسافات التي كانت تحمي الغرباء بعضهم من بعض. يعتاد صاحب الشاشة وجهًا أو صوتًا يتكرر حضوره، فلا يعود الزائر عابراً؛ يصبح موعداً يومياً، ثم سراً صغيراً، ثم مساحةً خفية عن أقرب الناس.
ولأن البيوت لا تنهار دفعةً واحدة، قد لا يلتفت أحد إلى الشق الأول في الجدار. تبدأ الحكاية بدقائق مسروقة من الأسرة، ثم اهتمامٍ يُمنح للبعيد ويُحجب عن القريب. وعندما يُكتشف الخلل، يكون الغريب قد عرف الأسرار، وربما امتلك من الصور والمحادثات ما يحوّل الهدية الأولى إلى قيد.
ليست كل نافذة خطراً، ولا كل من ظهر خلفها متربصاً؛ فالتقنية بابٌ للمعرفة والعمل والتواصل النافع. لكن الخطر يبدأ حين تُرفع الحدود باسم التسلية، ويُمنح المجهول ثقةً لم يحصل عليها القريب، ويصبح التصفيق الرقمي بديلاً عن التقدير الحقيقي.
والحل ليس بتحطيم النوافذ أو تحويل البيوت إلى غرف تفتيش؛ فالرقابة المهينة لا تصنع ضميراً، والشك لا يحمي الأسرة. يبدأ الإصلاح بحوارٍ يسمح بالاعتراف، ومودةٍ لا تدفع إلى طلب الاهتمام من مجهول، ووعيٍ يشرح كيف تتحول المجاملة إلى استدراج، والهدية إلى دَيْن، والسر إلى وسيلة للابتزاز.
ويبدأ كذلك بمراقبة الله في الخلوات؛ فالشاشة قد تحجب الإنسان عن الناس، لكنها لا تحجبه عن علم الله. وإذا تحولت النافذة إلى تهديد، تُحفظ الأدلة، ويُقطع التواصل، ويُلجأ إلى الجهات الرسمية، ويُحتوى المتضرر بلا تشهير؛ فالستر لا يعني ترك المبتز، والإصلاح لا يعفي المستغل من المحاسبة.
لم يدخل الغريب لأن الباب كان مفتوحاً، بل لأن نافذةً صغيرة ظنها أهل البيت أضعف من أن تهدد جدرانه. وما يحمي البيوت ليس إغلاقها عن العالم، بل معرفة مَن نسمح له بالعبور، وأين يجب أن ينتهي حضوره، قبل أن يتحول حضوره العابر إلى غيابٍ دائم لأهل الدار.