في اليوم الوطني، لا أجد الوطن مجرد تاريخ يتكرر في التقويم، ولا مناسبة نرتدي فيها ألوانه ونرفع راياته ثم نمضي. الوطن بالنسبة لي حكاية أكبر من ذلك؛ حكاية بدأت قبل أن نعرف معنى الانتماء، وكبرت معنا حتى أصبح المكان جزءاً من ذاكرتنا، والناس الذين نحبهم جزءاً من حكايته.
في كل عام يأتي اليوم الوطني ليذكرنا بأن الأوطان لا تُبنى فقط بالحجارة والطرق والمشروعات، وإنما تُبنى بالإنسان، حين يشعر أن له مكاناً يستحق أن يحافظ عليه، وأن له دوراً مهماً مهما كان صغيراً.
نحن في المملكة العربية السعودية نعيش اليوم امتداداً لمسيرة طويلة، بدأت بالتوحيد، ثم استمرت بالبناء والعمل والتحول، حتى أصبحت ملامح الوطن تتغير من حولنا بسرعة، بينما تبقى قيمة واحدة ثابتة: أن هذا الوطن بيت كبير تتسع حكايته لأجيال متعاقبة.
وحين أتأمل مدينتي المدينة المنورة، أرى الوطن من زاوية مختلفة. أراه في تفاصيل المكان، في البيوت القديمة، في الطرق التي عبرها الأجداد، في الأسواق، في الحكايات التي تناقلتها الأجيال، وفي ذاكرة الناس التي تحفظ للمكان روحه. فالتقدم الحقيقي لا يعني أن نغادر ذاكرتنا، بل أن نحملها معنا ونحن نمضي إلى المستقبل.
الوطن أيضاً مسؤولية. مسؤولية أن نحفظ ما وصل إلينا، وأن نترك لمن يأتي بعدنا ما يستحق أن يفتخر به. مسؤولية في الكلمة، وفي العمل، وفي التعامل، وفي احترام المكان، وفي أن يكون كل واحد منا جزءاً من الصورة التي نريد أن نراها لوطننا.
وفي اليوم الوطني السادس والتسعين، لا أريد أن أقول فقط: كل عام والوطن بخير.
بل أقول: كل عام ونحن أكثر وعياً بقيمة الوطن، وأكثر حرصاً على أن تبقى حكايته حاضرة فينا، لا في احتفالاتنا وحدها.
فالوطن ليس علماً نرفعه في يوم، ولا نشيداً نردده في مناسبة؛ الوطن أثر يسكن الإنسان، وذاكرة تحفظ المكان، وعمل يثبت الانتماء.
وكلما مضى عام، أدركنا أن أجمل ما في الوطن ليس فقط ما أنجزناه، بل ما نستطيع أن نصنعه من أثر يبقى بعدنا.
كل عام ووطني بخير، وكل عام والمملكة العربية السعودية تمضي إلى مستقبل يليق بها وبأبنائها.