مقالات

كم من أسلوب قتل الود

Listen to this article
أ. محمد سعد القحطاني

ليس كل من ابتعد عنك يكرهك، وليس كل علاقة انتهت كان وراءها خلاف كبير. أحياناً لا يموت الود بسبب موقف، وإنما بسبب أسلوب يتكرر حتى يُتعب القلب.

هناك أناس طيبون فعلاً، نواياهم بيضاء وقلوبهم لا تحمل شراً، لكنهم لا يعرفون كيف يُظهرون هذا الطيب. يحبون، ولكن كلماتهم قاسية. يشتاقون، ولكنهم لا يسألون. يقدّرون، ولكنهم لا يشكرون. يخطئون، ولكنهم لا يعتذرون. وربما احتاج إليهم قريب فقالوا له كلمة جافة، ثم تعجبوا بعد ذلك: لماذا تغيّر؟

المشكلة أن الناس لا تعيش داخل نوايانا حتى تعرفها؛ الناس تتعامل مع ما يصل إليها منا.

قد تقول: أنا أعرف نفسي، وقلبي صافٍ. وهذا جميل، لكنه لا يكفي دائماً. فما قيمة المحبة التي لا يشعر بها من تحب؟ وما قيمة التقدير إذا كان صاحبه لا يرى منه إلا الجفاء؟

بعض العلاقات لا تحتاج مالاً ولا هدايا ولا مواقف استثنائية، وإنما تحتاج شيئاً من لطف العبارة، وشيئاً من السؤال، وشيئاً من التغاضي، وكلمة في وقتها تقول للآخر: أنت عزيز عليّ.

حتى الاختلاف له أخلاق.

يمكنك أن ترفض دون أن تجرح، وأن تعاتب دون أن تهين، وأن تختلف دون أن تهدم تاريخاً كاملاً من الود. ويمكن للإنسان أن يكون صريحاً دون أن يجعل الصراحة ترخيصاً للقسوة.

وكم من شخص اعتقد أن الآخرين شديدو الحساسية، بينما لم يسأل نفسه يوماً عن شدة أسلوبه.

نحن أحياناً نخسر أشخاصاً لم يكونوا يريدون منا المستحيل؛ كانوا يريدون فقط أن يشعروا أن لهم مكاناً في قلوبنا يشبه المكان الذي نقول إنهم يحتلونه.

والأشد ألمًا أن بعض الناس لا يدركون أثر أسلوبهم إلا بعد أن يرحل الآخر. عندها يبدأ تعداد محاسنه: كان وفياً، وكان قريباً، وكان صادقاً، وكان يتحملني كثيراً.

نعم، كان يتحمل؛ ولكن حتى الاحتمال له نهاية.

ليس التودد ضعفاّ، ولا الكلمة الطيبة تنازلاً عن الهيبة، ولا المبادرة بالسؤال انتقاصاً من الكرامة. بل ربما كانت القدرة على الاحتفاظ بالناس الطيبين واحدة من أجمل صور الذكاء الإنساني.

فالقلوب، مهما بدت قوية، تتأثر بالتفاصيل الصغيرة؛ كلمة تقرّبها، وكلمة تبعدها، وموقف يرممها، وموقف يكسر شيئاً فيها.

وحين تتكرر الكسور، يأتي يوم لا يكون فيه خصام ولا عتاب؛ فقط مسافة. وهذه المسافة هي أخطر ما تصنعه الأساليب السيئة؛ لأنها لا تعلن موت العلاقة، وإنما تجعلها تموت بهدوء.

لذلك، قبل أن تسأل يوماً: لماذا ابتعد فلان؟ اسأل نفسك أيضاً: كيف كنت قريباً منه؟

فكم من قلب كان يحمل الود، ولم يقتله اختلاف ولا عداوة؛ قتله أسلوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى