مقالات

فصل الربيع

Listen to this article

أ. هزاع منصور الزهراني

من أطراف الزمن، ومن عمق واقع الحياة، ننظر إلى سحائب الغيث حين تنهمر مستبشرين؛ فنستشفّ في هطولها تباشير أرضٍ خصبة، وربيعٍ استثنائي يفتح للروح آفاق التنقل والتنزه أينما حللنا. إن ازدهار الأرض في إبان فصل الربيع هو ما يغمر النفوس بالسعادة والفرح، غير أن عجلة الزمن لا تتوقف؛ إذ سرعان ما يحلّ فصل الخريف، فتتساقط أوراق الشجر، وتتراجع تلك المناظر الخلابة التي طالما استمتعنا بها.

عند ذاك التحول، ندرك أننا أمام منعطف حرج؛ فقد تبدّل الفصل الجميل الذي كان يبعث فينا الغبطة والبهجة إلى فصلٍ غريب، يحمل في طياته إنذاراً مبكراً: إن لم نأخذ حذرنا ونحسب له حسابه، فإننا مقبلون —لا محالة— على انهيار غير مسبوق، قد تمتد آثاره لتلقي بظلالها على فصول السنة القادمة وما يليها من السنين.

وهذا التحول المناخي في طبيعة الأرض، ليس إلا مرآة تعكس واقع المشهد الثقافي؛ فالشعر هو الآخر يمرّ بفصوله، وما نعيشه اليوم يضعنا أمام تساؤلات مستحقة: متى نرتقي بالفن الشعري يا شعراء المحاورة (أو المحاولة)، ونجعل منه تاريخاً عظيماً يُصنّف في أبهى الأزمان؟ وما سرّ هذا الانحدار الشعري الذي نلمسه اليوم لدى بعض الشعراء، ولا سيما منتسبي ساحات المحاورة؟

وهل بات الشعراء المحسوبون على الساحة الشعرية لا يدركون حجم ما يقع من تجاوزات صارخة في الألفاظ والتراكيب اللغوية، فضلاً عن المكاشفة المبتذلة أمام الجمهور بالكشف الصريح عن المعنى؟ إن من أسمى صفات الشعر المتميز وأرقاها هي “التورية” وغموض المعنى اللطيف، كما كان عليه الحال سابقاً في أشعار الكبار الذين أثروا الذائقة، أمثال: صياف الحربي، وعبدالله الثبيتي، وخلف بن هذال، وأحمد الناصر، والسديري، وبندر بن سرور، وصولاً إلى قامات التراث الشعري الأصيل في بلاد زهران كـ ابن ثامرة، والزيادي، وابن جبران، وغيرهم من عمالقة الكلمة؛ فقد كان هؤلاء الشعراء —بما حملوه من حكمة وشعر موقف— بمثابة الصوت الصادق واللسان الناطق لمجتمعهم، وصاغوا بأسلوبهم الرصين ملامح مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة وتراثها الشفاهي.

فليت “ربيع الشعر” وفنّه الراقي يعودان يوماً ليزهرا في ساحاتنا، وليتنا نتدارك هذا الوضع الشعري النازف، لننهض بالذائقة العامة ونعيد للشعر بهجته وهيبته الأصيلة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى