الرئيسيةتقرير

إذا فُرض الرد… فليكن حاسمًا

السعودية دولة مؤسسات، واليمن مسؤولية أبنائه، وإيران أمام حدود الصبر ت

Listen to this article

إذا فُرض الرد… فليكن حاسمًا

السعودية دولة مؤسسات،

واليمن مسؤولية أبنائه، وإيران أمام حدود الصبر

تقرير تحليلي –

أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني

أعادت تصريحات الكاتب والسياسي اليمني علي البخيتي بشأن ضرورة قيادة أمراء آل سعود للجبهات، وعدم الثقة ببعض قيادات الشرعية اليمنية، النقاش حول طبيعة الدور السعودي في اليمن، ومسؤولية القوى اليمنية، وحدود الصبر تجاه الحوثيين والجهات الإقليمية الداعمة لهم.

وفي هذه القضية، لا بد من الفصل بين الحماسة السياسية والقرار السيادي؛ فالمملكة العربية السعودية ليست دولة تُقاد جيوشها استجابةً لمقاطع إعلامية أو دعوات عاطفية، بل دولة مؤسسات، تسير وفق نظام واضح، وتخضع قواتها المسلحة لتسلسل قيادي واحترافي.

الجيش السعودي لا يحتاج إلى شهادة أحد

تضم القوات المسلحة السعودية كفاءات عسكرية وقيادات مؤهلة، وتمتلك منظومات متقدمة في الدفاع الجوي والاستخبارات والقيادة والسيطرة والعمليات المشتركة. وقد واجهت خلال سنوات التوتر تهديدات متغيرة، وعملت على حماية أراضي المملكة ومدنها ومنشآتها الحيوية.

لذلك، فإن الدعوة إلى نزول أمراء آل سعود لقيادة الجبهات لا تضيف إلى قوة المملكة، بل تختزل دولة حديثة ومؤسسة عسكرية محترفة في صورة تاريخية تعود إلى عام 1934. نعم، قاد الملك فيصل بن عبدالعزيز القوات السعودية في حملة تهامة حتى الحديدة، لكن ظروف الحرب وأدواتها وتركيبة الدول والجيوش تغيّرت جذريًا.

ولكي تُقرأ التجربة في سياقها الأوسع، قاد الأمير سعود، ولي العهد آنذاك، جبهة نجران، فيما قاد الملك فيصل القوات السعودية في حملة تهامة. ثم تولى الأمير منصور بن عبدالعزيز وزارة الدفاع عند تأسيسها، وأسهم في تنظيم الجيش وتطوير بنيته. أما الأمير مساعد بن عبدالرحمن الفيصل، فكان من رجال الدولة والمشورة، وتولى مناصب عليا في عهدي الملك سعود والملك فيصل، منها الداخلية والمالية. وهكذا تنوعت أدوار القيادة بين الميدان وبناء المؤسسات وإدارة شؤون الدولة. 

هذا الامتداد يوضح أن قيادة المملكة لم تتوقف يومًا على حضور أمير في جبهة بعينها؛ فقد حمل كل جيل مسؤوليته بأدوات عصره، من قيادة الحملات إلى تأسيس المؤسسات وتطوير القوات المسلحة. واليوم يواصل أحفاد الملك عبدالعزيز نهج أسلافهم في حماية الوطن وصون قراره، ضمن دولة مؤسسات وجيش محترف. فالقيادة تُقاس بحسن التخطيط والجاهزية والإنجاز، لا بمجرد الوجود الميداني.

اليمن لن يحرره الآخرون وحدهم

قدمت المملكة لليمن دعمًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا، وأسهمت في مساندة مؤسسات الدولة اليمنية. لكن هذا الدعم لا يعني أن تقاتل السعودية نيابةً عن اليمنيين إلى ما لا نهاية، بينما تظل بعض القوى اليمنية منشغلة بالصراعات الداخلية وتقاسم النفوذ والمناصب والموارد.

وأعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في 4 أكتوبر 2026 بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من الأراضي اليمنية وبسط سلطة الدولة. ويضع هذا الإعلان القبائل والمشايخ والقوى السياسية والعسكرية أمام مسؤولية الاصطفاف خلف الدولة، والعمل ضمن مؤسساتها وقيادتها، بدل تعميق الانقسام الذي يطيل عمر الأزمة. 

تحركات المشايخ… اصطفاف أم ابتزاز جديد؟

لا يصح اتهام جميع مشايخ اليمن أو التعميم عليهم؛ ففيهم رجال وقفوا مع وطنهم وقدموا التضحيات. لكن بعض التحركات والمواقف المتقلبة تثير تساؤلات مشروعة: هل الهدف توحيد الجبهة ضد الحوثي، أم ممارسة الضغط للحصول على المال والسلاح والنفوذ؟ وهل يُطلب من المملكة أن تقدم الدعم من دون ضمانات أو نتائج أو قيادة يمنية موحدة؟

التحالف ليس جهة لتمويل الولاءات المؤقتة، والمملكة ليست خزينة مفتوحة لكل من جمع حوله مسلحين ثم قدم نفسه ممثلًا لقبيلة أو منطقة. ينبغي أن يذهب الدعم إلى الدولة اليمنية ومؤسساتها الرسمية، وأن يرتبط بقيادة موحدة وأهداف معلنة وشفافية ومحاسبة على النتائج.

ومن أراد الحوار والعمل الوطني، فطريقه الالتفاف حول الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، والانطواء تحت سلطة الدولة. أما التشكيلات المنفصلة، وتعدد مراكز السلاح، والمتاجرة بالمواقف وتعطيل قرار الشرعية، فهي عقبات تخدم الحوثي مهما تغيرت مسمياتها.

خطة حاسمة لاستعادة الدولة

الحسم المطلوب لا يعني حربًا مفتوحة على اليمنيين أو ضربًا عشوائيًا للمدن والقرى؛ بل خطة منضبطة هدفها استعادة الدولة وتحييد القدرات العسكرية التي تستخدم في الاعتداء.

وتبدأ سياسيًا بتوحيد مجلس القيادة والحكومة والجيش والقبائل خلف هدف واحد، وإنهاء تعدد مراكز القرار والسلاح. كما تشمل مواجهة شبكات التمويل والتهريب والتسليح التي تمكّن الحوثيين من تهديد المدن والممرات البحرية، والتحقق من كل اتهام قبل ترتيب أي إجراء عليه.

أما عسكريًا، فيجب أن تُوجَّه العمليات إلى أهداف عسكرية مؤكدة، مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الخطر على المدنيين وممتلكاتهم. فحماية اليمنيين ليست تفصيلًا ثانويًا، بل جزء من نجاح أي جهد لاستعادة الدولة ومنع الحوثيين من استغلال الأضرار لتجنيد المزيد أو تقديم أنفسهم ضحايا أمام العالم.

ويشمل ذلك إصدار تحذيرات واضحة وفعالة، وتوفير ممرات ومناطق آمنة، والتنسيق مع الجهات الإنسانية، وتأمين الغذاء والدواء والمأوى للنازحين. والتحذير المسبق لا يجعل المنطقة مباحة ولا يسقط الحماية عن المدنيين؛ إذ تظل مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات واجبة في جميع الأحوال. 

والنجاح الحقيقي لا يقاس بحجم الدمار، بل بإضعاف قدرة الحوثيين على الاعتداء، وحماية الأبرياء، وتهيئة الطريق لعودة مؤسسات الدولة.

الرسالة إلى إيران

مارست المملكة قدرًا كبيرًا من ضبط النفس، وعملت على منع اتساع دائرة الحرب. غير أن الصبر السعودي لا ينبغي أن يُقرأ ضعفًا، والحكمة ليست تنازلًا عن السيادة، والحرص على استقرار المنطقة لا يعني القبول باستهداف أراضي المملكة أو تهديد أمنها عبر وكلاء مسلحين.

وفي بيانات رسمية خلال عام 2026، أدانت المملكة هجمات إيرانية استهدفت منطقة الرياض والمنطقة الشرقية، وأكدت اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أراضيها ومواطنيها، بما في ذلك حق الرد على العدوان. كما أدانت هجمات نفذتها ميليشيات مرتبطة بإيران انطلاقًا من العراق، وتمسكت بحقها القانوني في ردع مصادر الاعتداء. 

والرسالة إلى طهران واضحة: المملكة لم تسعَ إلى الحرب، لكنها لن تقبل أن تُستهدف مباشرة أو عبر الحوثيين أو غيرهم من الوكلاء. وإذا فُرض عليها الدفاع عن نفسها، فسيكون ردها مشروعًا وحاسمًا ومدروسًا، بما يحمي أمنها ويعيد بناء معادلة الردع. ليست الغاية إطلاق تهديدات استعراضية، بل تأكيد أن أمن المملكة وسيادتها خط أحمر، وأن الاعتداء لن يمر بلا تبعات.

الحسم المنضبط

الحسم يبدأ من اليمن: دولة واحدة، وقيادة واحدة، وجيش واحد، وسلاح يخضع للشرعية. ويبدأ تجاه المشايخ والقوى السياسية بإنهاء زمن التمويل بلا محاسبة ورفض الابتزاز، أيًا كان غطاؤه القبلي أو السياسي.

ويمتد إلى قطع أذرع الدعم والتمويل والتسليح التي تمكّن الحوثيين من مواصلة الاعتداء، وإفهام إيران أن استخدام الوكلاء ثم إنكار المسؤولية لا يضمن الإفلات من العواقب.

السعودية لا تحتاج إلى من يعلّمها كيف تقود جيشها، واليمن لا يحتاج إلى مزيد من الزعامات المتنافسة؛ بل يحتاج رجال دولة يلتفون حول شرعيته ويتحملون مسؤوليتهم الوطنية. أما من يختار الوقوف مع الحوثيين أو تعطيل استعادة الدولة، فعليه أن يتحمل تبعات موقفه وفق القانون.

لقد مدت المملكة يدها للحوار حرصًا على السلام واستقرار المنطقة؛ لكنها إذا أُجبرت على الدفاع عن سيادتها، فستتصرف كدولة تعرف قوتها، وتحدد أهدافها، وتحمي شعبها، وتردع كل من يعتدي عليها.

محمد سعد القحطاني

‏صحفي وكاتب ومؤلف وشاعر، انتقلت بالكلمة من المقال والقصيدة والكتاب إلى السيناريو والدراما والكوميديا والسينما والمسرح. ‏من أعمالي سلسلة «سكرات الحياة»، ودليلك إليك ومنها امتد مشروع الكتابة إلى أعمال درامية وسينمائية ومسرحية، بينها «مرآة | سكرات الحياة» و**«سُبع ساعة»** ومسرحية بالغلط، إلى جانب مشروعات أخرى في مراحل التطوير. ‏أكتب الخبر بوعي الصحفي، والفكرة بعين الكاتب، والشخصية بخيال المؤلف، وأبحث في كل ذلك عن شيء واحد: ‏أن تتحول الكلمة من نصٍ يُقرأ… إلى أثرٍ يُرى ويُشاهد ويبقى. ‏محمد سعد القحطاني✍🏻

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى