مقالات

قطيعة الرحم بسبب الميراث

Listen to this article

أ. شهوان بن عبد الرحمن الزهراني

الاختلافات والخلافات قد تحدث بين الأقارب لأسباب عديدة، وهذا أمر ثابت منذ الأزل، وما قصة ابني آدم إلا واحدة من بدايات الخلاف والاختلاف بين الأقارب، فهي تحكي لنا النتائج المظلمة والمروعة للخلافات الأسرية؛ إذ انتهت بأول جريمة قتل في تاريخ البشرية. وهذه النتيجة المؤلمة لم تحدث إلا لأن الخلاف لم يتم حله بالوجه العقلي والأخلاقي الشرعي، رغم أن الحل كان مطروحاً وظاهراً. وكثير من الخلافات تكون نتيجة تراكمات مرت على مراحل دون علاجها حتى استفحلت ووصلت إلى الاختلاف والخلاف بل وإلى ما هو أعظم وأكبر من ذلك وهو القطيعة بين الأقرباء، ممن لا يجوز شرعاً قطيعتهم، فإذا كانت قطيعة المسلم لأخيه المسلم حراماً، فقطيعة الأقارب والأرحام أعظم جرماً وأكبر حرمة.

ومن خلال التجربة والواقع نجد أن النزاع على التركات يُعد من أبرز أسباب الاختلافات بين الورثة وتفكك الأسر، حيث يقع بعض الورثة في حبائل الشيطان فلا يتورع عن ظلم بقية الورثة بأي طريقة كانت والتعدي على حقوقهم، فيزرع بذلك في قلوب الآخرين الغضب والإحساس بالظلم فتحدث القطيعة كرد فعل على الظلم. والدوائر القضائية تشهد كثيراً من الخلافات حول الميراث فتتنازع الأسر ويتفرق الشمل وتظهر الخصومات بين الأبناء والأمهات ويتحول الأشقاء بين عشية وضحاها إلى أعداء.

ومن الثابت شرعاً أن قطع الأرحام حرام ومن كبائر الذنوب، فإذا كانت هذه القطيعة بسبب الإرث فيكون الذنب أعظم وأكبر، فقد جمع بين جريمتين: الأولى: انتهاك حدود الله عز وجل في الإرث التي جاءت واضحة في آيات صريحة في سورة النساء، والثانية: جريمة قطع الأرحام. ذلك أن صلة الرحم واجبة وبالتالي فالقطيعة محرمة شرعاً، ولعل ما جاء في سورة محمد في قول الله عز وجل: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}، وهذا وعيد تقشعر منه الجلود وتتضاءل أمامه وتتلاشى وتذهب كل منفعة في الدنيا من مال وجاه، والعاقل يدرك أن الشيطان حريص على إغوائه وإيراده موارد المهالك، فيوحي للإنسان بمبررات لا تنهض سبباً للقطيعة ولكن إبليس يزينها له ليجعله يظن أنه على حق وأنه ينبغي ألا يغلبه أحد على ما يريد برغم باطله.

إن قطيعة الرحم كبيرة من الكبائر وقد عدها الذهبي في كتابه الكبائر الكبيرة التاسعة من بين سبعين كبيرة. ويكفي إثماً وجرماً ما جاء في صحيحي البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا يدخل الجنة قاطع»، أي قاطع رحم. ولعل بعض الناس يرى أن حقوقه لا بد أن يأخذها كاملة وغير منقوصة، بل يذهب ليأخذها حسب رغبته ومصلحته، مهما كان فيها من مضرة للآخرين، ودون مراعاة لبقية الورثة وحقوقهم ومدى فقرهم وضعفهم وحاجتهم إلى الإحسان إليهم، وإعطائهم ما يؤكد على حسن صلة الرحم وكريم الأخلاق.

صحيح أن من حق كل وارث أن يأخذ نصيبه الشرعي، ولكن دون وقوع ضرر على الآخرين، فمن الثابت أن الخلافات والخصومات قد تحدث بسبب أخطاء يقع الإنسان فيها بغواية الشيطان، ولكن العاقل يرجع ويثوب إلى رشده، وهذا هو الصواب، فمجرد وقوع الخطأ ليس عيباً ولا إثماً، إنما العيب والإثم هو الاستمرار في الخطأ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ».

ولعل من العجب والدهشة أننا نجد أن هناك خلافات أسرية حول الإرث تحدث معها قطيعة الرحم، مع أن بعض هؤلاء الورثة ممن يتوسم فيهم العقل والصلاح والزهد ولا ينقصهم العلم والمعرفة، ولكنهم مع ذلك لا يتورعون عن الإضرار ببعض الورثة الآخرين بحجة أن هذا حقهم الشرعي ولا بد أن يأخذوا كل ما يريدون فلا يتنازلون عن أي شيء، ولا يتسامحون مع أقاربهم. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا مؤداه: أين ذهب العقل؟ وأين آثار الصلاح؟ وأين دليل الزهد؟ وأين ثمرة العلم؟ وأين علامة المعرفة؟ لقد غابت كلها حينما وقع الخلاف في التركة. ومن ثم فما قيمة التدين إذا لم يحسن الإنسان تعامله مع أقاربه وذوي رحمه؟ ثم السؤال الآخر المؤلم هو: هل أيقن ذلك الشخص بأنه سيعيش الدهر كله، وأنه لن يحاسب عن قطيعة الرحم بسبب أمر لا يرقى إلى هذه القطيعة؟ وإذا كان هذا يحدث ممن يتوسم فيهم العلم والعقل والصلاح والتدين فما بالكم بمن لا يتصف بمثل هذه الصفات؟ ولعل أغلب الخلافات التي تنشأ بين الأقارب فيما يتعلق بالميراث سببها الرئيسي هو الأنانية وحب الذات، والطمع الزائد الذي لا يرضاه الله ولا يتفق وأخلاق المسلم.

إن هذه القطيعة بكل أسف لا تقتصر غالباً على الورثة المتخاصمين بل تسري إلى أبنائهم وأسرهم وتستمر القطيعة طالما أن ذلك الشيء المتنازع حوله لا زال قائماً ومن ثم تكون القطيعة بين الأجيال القادمة، فبدل صلة الأرحام تظهر القطيعة والعداوة والخصام. ويكون متسبب القطيعة هو الذي يبوء بإثم الجميع. فهل يدرك الناس حسن التعامل والتسامح بينهم بصفة عامة وبين الأرحام بصفة خاصة؟ فقد قال صلى الله عليه وسلم: « ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها».

ولعل معالجة ما يقع بين الورثة من خلافات وقطيعة يمكن علاجها وفق الآتي:

1- على كل فرد أن يجعل من نفسه قدوة حسنة للتعامل الطيب ولا يضيق على الآخرين بل يترك مساحة بينه وبين الآخرين ويجعل منها سبيلاً للتسامح والتنازل عن كل أمر فيه مصلحة ورفع الضرر عن الآخرين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: « من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه».

2- أن يخضع الجميع لصوت العقل وحق الرحم وروح الشرع فلا تكون القطيعة هي الوسيلة لزيادة الخلاف، بل يتم اللجوء والاستعانة بأهل الفضل والعلم والعقل سواء من داخل العائلة أو من خارجها للصلح بين الورثة وقسمة التركة بطريقة شرعية يراعى فيها عدم وقوع الضرر على أحد، وبخاصة في قسمة الأراضي التي تختلف مواقعها من حيث الأهمية والقيمة ومدى نفعها.

3- أن يعلم كل من الورثة أن الإرث الذي يتنازعون حوله قد ذهب صاحبه الذي كسبه وحافظ عليه، وقد تركه ولم يأخذ منه شيئاً، وبالتالي فالجميع غداً سيتركون هذا الإرث لغيرهم فهو من حطام الدنيا فلا يكون سبباً في تفريق شمل الورثة، فلا شيء من حطام الدنيا يستحق أن يكون سبباً في قطع الأرحام واستحقاق العقوبة واللعنة من الله تعالى.

المزيد من مقالات الأخبار

اقرأ المزيد للكاتب ←

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *