مقالات

حين قُسّم الميراث انقسمت القلوب

Listen to this article

بقلم: عبد الله القرشي

قبل أكثر من عشرين عاماً، كان لي زميل دراسة من أبناء الحي. كنا ندرس في المدرسة نفسها، وكان من أذكى الطلاب الذين عرفتهم في تلك المرحلة. كان أيضاً من أسرة ميسورة الحال، وبعد أن أنهى المرحلة المتوسطة انتقلت أسرته إلى أحد أحياء مكة الراقية، وانقطعت أخباره عني تماماً.

في ذلك الزمن لم تكن وسائل التواصل موجودة كما هي اليوم، ولم يكن من السهل أن تعرف أخبار شخص انقطعت عنك أخباره. مرت السنوات، وكل واحد منا مضى في طريقه، حتى ظننت أنني ربما لن أراه مرة أخرى.

وبعد أكثر من عشرين سنة، حضرت زواج ابن أحد زملائي في العمل في منطقة الباحة، وهناك كانت المفاجأة التي لم أتوقعها.

رأيته أمامي.

عرفته مباشرة رغم كل هذه السنين، وكأن الزمن لم يمضِ. فرحت كثيراً بلقائه، وكان هو أيضاً سعيداً بهذا اللقاء. جلسنا نتحدث عن أيام الدراسة والحي والمدرسة والزملاء، واسترجعنا شيئاً من ذكريات الطفولة التي ظننا أنها أصبحت بعيدة.

سألته: ما زلت في العمل؟ فقد سمعت أنك تعينت مدرساً.

ابتسم وقال: قدمت على التقاعد المبكر.

ثم بدأت أسأله عن والده وإخوته، فقد كنت أعرف أن والده رجل ميسور الحال.

قال لي: والدي توفي، الله يرحمه.

ترحمت عليه، وسألته عن إخوته، وهنا تغيرت ملامح وجهه.

قال: بعد وفاة أبوي حصلت مشاكل كبيرة بيننا بسبب الأموال والأراضي التي تركها لنا.

ثم قال جملة لن أنساها ما حييت:

اشتكى أخوي الكبير وقال: مات أبونا، وبعده مات شيء فينا ونحن أحياء.

صمت قليلاً، ثم تابع: الأخ الذي كنت أجري إليه إذا ضاقت بي الدنيا، أصبحت اليوم لا أسلم عليه.

كانت الجملة ثقيلة جداً.

ثم قال: البيت الذي كان يجمع ضحكاتنا، أصبح سبباً في فرقتنا. أخذ كل واحد منا نصيبه من مال أبوي، وبعنا البيت الذي كان يجمعنا.

ثم تنهد وقال: تمنيت أن أبي أخذ ماله معه، وترك لنا بعضنا.

لم يكن يتحدث عن المال فقط، بل عن عائلة كاملة كانت ذات يوم تجتمع تحت سقف واحد، ثم فرقتها التركة.

كل واحد أصبح في مدينة، وانشغل بحياته، ولم يعد أحد يعرف عن الآخر إلا القليل. حتى رمضان والأعياد، التي كانت تجمعهم في السابق، لم تعد كما كانت.

خرجت من ذلك اللقاء وأنا أفكر في معنى غريب ومؤلم للحياة.

كم من أب يتعب عمره كله في جمع المال، ظناً منه أنه يؤمّن مستقبل أبنائه، لكنه لا يعلم أن المال الذي يتركه قد يكون امتحاناً لهم بعد رحيله.

فالمال يقسم بينهم، لكن المحبة لا تُقسم.

والأرض يمكن أن تُباع، والبيت يمكن أن يُهدم، والثروة يمكن أن تنتهي، لكن الأخ إذا فقد أخاه، فقد شيئاً لا تعوضه كل أموال الدنيا.

رحم الله والده، وأصلح الله بينه وبين إخوته، وأعاد بينهم تلك الأيام التي كانوا فيها إخوة قبل أن يصبحوا ورثة.

ولعل أعظم ميراث يتركه الأب لأبنائه ليس المال ولا العقار، وإنما أن يترك بينهم المحبة، وصلة الرحم، والخوف على بعضهم، وأن يعلمهم قبل أن يرحل أن ما يجمعهم أغلى بكثير مما سيتركونه خلفهم.

فكم من بيت كان يجمع الضحكات، ثم فرقه الميراث.

وكم من إخوة كانوا سنداً لبعضهم، ثم أصبحوا غرباء بسبب شيء كان يفترض أن يكون نعمة.

المزيد من مقالات الأخبار

اقرأ المزيد للكاتب ←

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *