المنزل الذي يخدم فيه الجميع… يعيش فيه الجميع
توزيع المسؤوليات يصنع أبناءً قادرين على الحياة، بينما تُنهك الاتكالية الوالدين وتُضعف العلاقات الأسرية
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
لا تُبنى الأسرة الناجحة بكثرة ما تملكه، بل بقدرتها على جعل المنزل مسؤولية مشتركة. فالبيت ليس فندقًا، والأم ليست عاملة لخدمة الجميع، والأب ليس مصدرًا للمال فقط، والأبناء ليسوا ضيوفًا ينتظرون تلبية طلباتهم.
تبدأ المشكلة عندما تُلقى أعمال المنزل والتربية والمتابعة على شخص واحد، بينما يعتاد الآخرون الاتكالية. ومع الوقت يتحول التعب إلى غضب صامت، وتكثر الخلافات، ويضعف الشعور بالتقدير والانتماء.
الأب والأم… شراكة ومسؤولية
تقع على الوالدين مسؤولية الرعاية والتوجيه، لكن نجاح الأسرة يتطلب توزيع الأدوار بحسب الوقت والقدرة والظروف.
فالأب مسؤول عن الحضور التربوي والحوار ومتابعة أبنائه، وليس عن الإنفاق وحده. والأم شريكة في بناء الأسرة، وليست مطالبة بأداء جميع الأعمال دون مساعدة، خصوصًا إذا كانت موظفة أو تعاني ظروفًا صحية.
والتعاون لا ينتقص من مكانة الرجل؛ فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت عن النبي ﷺ: «كان يكون في مهنة أهله»؛ أي يساعد أسرته ويخدمها.
الأبناء… المسؤولية تبدأ مبكرًا
من الأخطاء التربوية أن يؤدي الوالدان كل شيء عن أبنائهما بدافع الحب، ثم يكتشفان بعد سنوات أنهم غير قادرين على إدارة حياتهم.
يمكن تكليف كل ابن بما يناسب عمره، مثل ترتيب غرفته، والمحافظة على أدواته، والمشاركة في تنظيف الأماكن المشتركة، ومساعدة إخوته ورعاية كبار السن.
ولا ينبغي ربط كل واجب بمقابل مالي؛ لأن المشاركة انتماء ومسؤولية. كما أن خدمة النفس والنظافة والترتيب مهارات يحتاج إليها الذكور والإناث، ولا يصح تحميل البنات جميع الأعمال وإعفاء الأبناء منها.
كوارث الاتكالية والإهمال
الطفل الذي يعتاد أن يُخدم باستمرار قد يكبر وهو يعتقد أن الآخرين ملزمون بتحمل مسؤولياته. وعندما يدخل الجامعة أو سوق العمل أو الحياة الزوجية، يصطدم بواقع يتطلب المبادرة والانضباط.
ويؤدي الإهمال كذلك إلى الفوضى، وإهدار الطعام والمال، وإغفال الصيانة ومخاطر الكهرباء والغاز. وقد تتحول مهمة بسيطة تجاهلها الجميع إلى خسارة أو حادث.
كما يفشل التعاون عندما لا يُقدَّر الجهد. فكلمة «شكرًا»، والاعتذار عند التقصير، والمساعدة دون انتظار الطلب؛ ممارسات بسيطة تعزز المودة. أما النقد المستمر واعتبار خدمة الآخر واجبًا لا يستحق التقدير، فيصنع شعورًا بالقهر داخل المنزل.
مسؤولية المدرسة والمسجد والإعلام
لا يقتصر دور المدرسة على تقديم المعرفة؛ بل ينبغي أن تدرب الطلاب على الانضباط والعمل الجماعي والمحافظة على الممتلكات. ويمكن تقديم أنشطة في إدارة الوقت والمال، والإسعافات الأولية، والسلامة المنزلية والاعتماد على النفس.
ولخطيب الجمعة دور في بيان أن التعاون من حسن العشرة ومكارم الأخلاق، والتذكير بحقوق الوالدين وكبار السن، والتحذير من تحميل فرد واحد ما لا يطيق.
أما المؤثرون في مواقع التواصل، فعليهم تجنب تقديم الاتكالية والطلبات المبالغ فيها بوصفها رفاهية مستحقة. ويمكنهم دعم الوعي عبر محتوى يشجع على المشاركة واحترام العمل المنزلي وإدارة المصروفات.
كما تستطيع وسائل الإعلام والجمعيات ومراكز الأحياء تقديم برامج للمقبلين على الزواج، تعرّفهم بتوزيع المسؤوليات وإدارة المنزل وحل الخلافات.
مبادرة «بيتنا مسؤوليتنا»
يقترح التقرير إطلاق مبادرة توعوية بعنوان «بيتنا مسؤوليتنا»، تشارك فيها المدارس والمساجد ووسائل الإعلام والجمعيات الأسرية.
وتقوم المبادرة على تخصيص اجتماع عائلي أسبوعي قصير، تُوزع فيه المهام بعدالة، مع مراعاة الأعمار والدراسة والعمل والحالة الصحية. وتشمل المسؤوليات النظافة، وترتيب الغرف، وإعداد الطعام، وشراء الاحتياجات، ومتابعة وسائل السلامة، ورعاية الأطفال وكبار السن.
ولا يكون الهدف تحويل المنزل إلى قائمة أوامر، بل تعليم كل فرد أن له حقوقًا تقابلها واجبات.
الأسرة المتعاونة لا تخلو من التعب، لكنها لا تترك شخصًا واحدًا يواجهه. وبناء الإنسان المسؤول يبدأ من فراشه الذي يرتبه، وأدواته التي يحافظ عليها، وأسرته التي يعينها؛ فالحقوق لا تستقيم من دون واجبات.








