حين يصبح الظلّ بتذكرة
استثمار الحدائق العامة يرفع جودة الخدمات… لكن تحويل حق الدخول إلى مشروع ربحي يحتاج إلى رقابة وشفافية
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
أصبحت بعض الحدائق والمتنزهات العامة تُسلَّم إلى شركات بموجب عقود استثمار وتشغيل وصيانة مع الأمانات والبلديات، في خطوة قد تسهم في تحسين النظافة والتشجير ودورات المياه والمرافق الترفيهية، وتخفيف تكاليف التشغيل عن الجهات الحكومية. غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول الحديقة العامة من مساحة مفتوحة للجميع إلى منشأة لا يدخلها المواطن وأسرته إلا بعد دفع رسوم.
الحديقة البلدية ليست مشروعًا تجاريًا عاديًا؛ فقد أُنشئت على أرض عامة لخدمة السكان، وتوفير متنفس للأطفال وكبار السن وذوي الدخل المحدود. وإذا فُرضت رسوم على الدخول، ثم أضيفت إليها رسوم المواقف والألعاب والجلسات والمرافق، أصبحت النزهة العائلية البسيطة عبئًا ماليًا متكررًا، وفقدت الحديقة وظيفتها الاجتماعية.
الاستثمار لا يعني بيع حق الدخول
تسمح الأنظمة باستثمار العقارات البلدية، ومن بينها الحدائق العامة، كما تطرح منصة «فرص» مشروعات لإنشاء الحدائق وتشغيلها وصيانتها بالشراكة مع المستثمرين.
لكن مراجعة نماذج حديثة من كراسات المنافسات البلدية تكشف أن عددًا منها ينص بوضوح على بقاء الدخول مجانيًا، مع السماح للمستثمر بتحصيل مقابل الخدمات الاختيارية داخل الحديقة. ففي كراسة لتطوير حدائق بمدينة جدة ورد أنه لا يحق للمستثمر فرض رسوم دخول، وأن تظل الحديقة مجانية للزوار، كما نصت كراسة أخرى على أن الدخول مجاني، مع إمكان تحصيل رسوم مقابل الخدمات المتاحة.
وهذا هو التوازن العادل: يستثمر المشغل في المقاهي والألعاب والفعاليات وتأجير الدراجات والمرافق الاختيارية، بينما يبقى المشي والجلوس واستخدام المساحات الخضراء حقًا عامًا لا يُحجب خلف بوابة مدفوعة.
من اعتمد الرسوم؟
عند فرض رسوم على أي حديقة عامة، يحق للمواطن أن يعرف:
- هل الرسوم منصوص عليها في العقد أم قررها المشغل؟
- ما القيمة المعتمدة ومن الجهة التي وافقت عليها؟
- هل يحصل الزائر على فاتورة نظامية؟
- هل توجد إعفاءات للأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة؟
- وهل توجد حديقة عامة مجانية بديلة في الحي نفسه؟
لا يكفي وضع موظف عند البوابة وجهاز تحصيل؛ بل يجب عرض لوحة تتضمن اسم المستثمر، ورقم العقد، ومدة التشغيل، والخدمات المجانية، والأسعار المعتمدة، وقناة تقديم الشكاوى.
مبادرة «حديقة للجميع»
يقترح التقرير اعتماد قاعدة واضحة في العقود البلدية: الدخول إلى الحدائق العامة مجاني، والرسوم تكون على الخدمات الإضافية الاختيارية فقط. وإذا استدعت منشأة نوعية أو فعالية مؤقتة فرض رسم، فيجب أن يكون ذلك بموافقة معلنة، ولمدة محددة، وبسعر مدروس، مع حماية حق الأسر محدودة الدخل.
كما ينبغي نشر العقود والأسعار المعتمدة إلكترونيًا، وإلزام المشغل بالفوترة، ومنع تحصيل أي مبلغ غير وارد في العقد، وتنفيذ زيارات رقابية تقيس النظافة والسلامة وجودة المرافق، لا مقدار الإيرادات وحده.
نجاح الاستثمار البلدي لا يُقاس بعدد بوابات الدفع، بل بقدرته على تطوير المكان مع إبقائه متاحًا للمجتمع. فالحديقة العامة خدمة وجودة حياة، وليست مساحة خضراء يدفع المواطن ثمن الوقوف تحت ظلالها.








