تقرير

مشروبات الطاقة… نشاطٌ مؤقت يهدد القلب والكلى

مشروبات الطاقة… نشاطٌ مؤقت يهدد القلب والكلى
Listen to this article

مشروبات الطاقة… نشاطٌ مؤقت يهدد القلب والكلى

الخفقان وضيق الصدر والجفاف واضطراب النوم إنذارات لا تُستهان بها… والتوصية الصحية: الابتعاد عنها قدر الإمكان

أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني

تُسوَّق مشروبات الطاقة بوصفها وسيلة سريعة لزيادة النشاط والتركيز ومقاومة النوم، لكن ما يشعر به المستهلك ليس طاقة حقيقية بقدر ما هو تنبيه مؤقت للجهاز العصبي، تسببه جرعات من الكافيين والسكر ومواد منبهة أخرى. وبعد زوال تأثيرها قد يعود التعب بصورة أكبر، فيلجأ الشخص إلى عبوة أخرى أو إلى القهوة، لتبدأ دائرة متكررة من التنبيه والسهر والإرهاق.

ولا تقتصر المخاطر المحتملة على الكلى؛ فتأثير هذه المشروبات على القلب والدورة الدموية من أبرز أسباب التحذير الطبي منها، خصوصًا عند تناولها بكميات كبيرة أو جمعها مع القهوة والمنبهات الأخرى.

ماذا يحدث داخل الجسم؟

يحفز الكافيين الجهاز العصبي، ويرفع إفراز هرمونات مرتبطة بالتنبيه والتوتر؛ فيزداد معدل ضربات القلب، وقد يرتفع ضغط الدم وتتغير قوة انقباض عضلة القلب وطريقة استعادتها الكهربائية بين الضربات.

وقد يشعر المستهلك بالخفقان أو رجفة اليدين أو القلق أو الصداع أو ضيق الصدر. وفي حالات القابلية الوراثية أو وجود مرض قلبي غير مكتشف، قد تتطور المشكلة إلى اضطراب خطير في نظم القلب.

وتشير «مايو كلينك» إلى أن مكونات مشروبات الطاقة قد تؤثر في النبض والضغط وانقباض القلب وإعادة الاستقطاب الكهربائي. وفي مراجعة شملت 144 ناجيًا من توقف قلبي مفاجئ، وقعت سبع حالات عقب تناول مشروبات الطاقة بفترة زمنية قريبة، وكان لدى بعضهم استعداد وراثي لاضطراب النظم. وبعد توقفهم عن هذه المشروبات لم تسجل لديهم حوادث جديدة خلال المتابعة. وهذه النتيجة لا تثبت أن المشروب كان السبب الوحيد، لكنها تدعم ضرورة الحذر، خصوصًا لأصحاب القلوب المعرضة للخطر. 

ماذا قالت الدراسات السعودية؟

لا يتوافر في المصادر الرسمية المفتوحة رقم وطني شامل يحدد عدد السعوديين الذين دخلوا المستشفيات أو احتاجوا إلى غسيل كلوي بسبب مشروبات الطاقة وحدها. وما نُشر محليًا يتكون غالبًا من دراسات استبيانية تسجل الأعراض التي أبلغ عنها المستهلكون، ولا تمثل تشخيصات سريرية مؤكدة أو سجلًا لحالات التنويم والوفاة.

وفي دراسة سعودية منشورة عام 2026 شملت 837 طالبًا وطالبة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، أفاد:

  • 205 مشاركين بإصابتهم بخفقان القلب.
  • 90 مشاركًا بالشعور بضيق في الصدر.
  • 119 مشاركًا بالأرق.
  • 125 مشاركًا بالتوتر أو القلق.
  • 118 مشاركًا بزيادة التبول.
  • 66 مشاركًا بالصداع.

كما أظهرت الدراسة أن 85 مشاركًا كانوا يتناولون مشروب الطاقة يوميًا، وأن 84% من المشاركين لا ينصحون الآخرين بتناوله. ولم تتضمن الدراسة متابعة طبية تحدد ما آلت إليه الحالات أو ما إذا احتاج أحدهم إلى التنويم أو الغسيل الكلوي. 

وفي دراسة سعودية أخرى شملت 783 مستهلكًا من مناطق متعددة، أبلغ 50.7% عن الخفقان، و53.7% عن زيادة التبول، و50.7% عن الأرق، وكانت الأعراض أكثر لدى من يستهلكون المشروبات يوميًا مقارنة بمن يتناولونها مرات محدودة شهريًا. 

كما شملت دراسة في ثلاث كليات طبية بجدة 610 طلاب ومتدربين، وأظهرت أن نحو ثلث المستهلكين المنتظمين أبلغوا عن آثار جانبية، كان أبرزها الخفقان والأرق وكثرة التبول والصداع. 

وهذه الأرقام لا يجوز وصفها جميعًا بأنها «حالات مرضية مؤكدة»، لكنها تكشف اتساع الأعراض المرتبطة بالاستهلاك، وتستدعي إنشاء سجل صحي وطني يرصد حالات التسمم بالكافيين واضطرابات القلب والإصابات الكلوية المرتبطة بهذه المشروبات.

من القلب إلى الكلى

قد تؤثر مشروبات الطاقة في الكلى عبر أكثر من مسار؛ فزيادة التبول مع قلة شرب الماء والحرارة والمجهود البدني قد تسهم في الجفاف واختلال الأملاح. كما أن ارتفاع ضغط الدم المتكرر يضغط على الأوعية الدقيقة داخل الكلى، بينما يؤدي الإفراط في السكر مع مرور الوقت إلى زيادة الوزن ومقاومة الإنسولين والسكري، وهي عوامل رئيسية للإصابة بأمراض الكلى والقلب.

وقد نُشرت عالميًا حالات طبية قليلة لإصابة حادة بالكلى بعد استهلاك مفرط جدًا لمشروبات الطاقة. ومن بينها شاب كان يتناول نحو لترين يوميًا لمدة شهر، فأصيب بقصور كلوي حاد من الدرجة الثالثة، وارتفع لديه الكرياتينين بصورة خطيرة، لكنه لم يحتج إلى الغسيل وتعافت وظائف كليتيه بعد إيقاف المشروبات والعلاج خلال نحو أسبوعين. وأشار التقرير المنشور عام 2025 إلى وجود أربع حالات مشابهة سابقة في الأدبيات الطبية. 

هذه الحالات قليلة، لكنها تؤكد أن الإفراط الشديد قد يتحول من عادة يومية إلى طارئ طبي. وقد يحتاج بعض المصابين بالقصور الكلوي الحاد إلى غسيل مؤقت إذا تدهورت وظائف الكلى أو ارتفعت السموم والأملاح إلى مستويات خطرة، بينما يرتبط الغسيل الدائم عادة بفشل كلوي مزمن له أسباب متعددة ومتراكمة.

القهوة مع مشروبات الطاقة

القهوة ليست مطابقة لمشروبات الطاقة؛ فهي لا تحتوي عادة على التركيبة نفسها من السكر والمنبهات والإضافات. لكن الخطر يرتفع عندما يجمع الإنسان بين عدة عبوات من مشروبات الطاقة وأكواب القهوة والشاي والأدوية المحتوية على الكافيين خلال اليوم نفسه.

وتذكر حاسبة الهيئة العامة للغذاء والدواء أن الحد الأعلى العام للكافيين للبالغ السليم هو 400 ملغ يوميًا، لكن هذا الرقم ليس هدفًا يوميًا ولا ضمانًا مطلقًا للسلامة؛ فالتحمل يختلف باختلاف العمر والوزن والحالة الصحية والأدوية، وقد تظهر الأعراض عند كميات أقل. 

من يجب أن يبتعد عنها؟

تحذر اشتراطات الهيئة العامة للغذاء والدواء من تناول مشروبات الطاقة لدى الحوامل والمرضعات، ومن هم دون السادسة عشرة، والمصابين بأمراض القلب أو ارتفاع الضغط أو السكري، ومن لديهم حساسية للكافيين، وكذلك أثناء ممارسة الرياضة. كما تنصح بعدم الإفراط ومراعاة مجموع الكافيين القادم من جميع المصادر. 

والتوصية التوعوية الأوضح هي الابتعاد عنها قدر الإمكان، وعدم التعامل معها باعتبارها مشروبًا يوميًا أو علاجًا للتعب. ومن اعتاد كميات كبيرة منها يمكنه خفضها تدريجيًا لتقليل الصداع وأعراض انسحاب الكافيين، مع طلب المشورة الطبية إذا كان يعاني خفقانًا متكررًا أو ضغطًا أو مرضًا كلويًا.

متى يصبح الأمر طارئًا؟

يجب طلب المساعدة الطبية العاجلة عند ظهور ألم أو ضغط في الصدر، أو خفقان شديد ومستمر، أو إغماء، أو تشنج، أو ضيق تنفس، أو ارتباك، أو قيء متكرر، أو نقص واضح في البول، أو تورم، خصوصًا بعد تناول كميات كبيرة من مشروبات الطاقة والكافيين.

إن التعب رسالة من الجسم تطلب النوم والغذاء والماء والراحة، وليس دعوة لإغراقه بمزيد من المنبهات. فالنشاط الذي تمنحه هذه المشروبات قصير، لكن أثر الإفراط فيها قد يصل إلى القلب والكلى والجهاز العصبي، وقد تكون أول إشارة للخطر مجرد خفقان اعتاده صاحبه حتى أصبح لا ينتبه إليه.

المزيد من مقالات محمد سعد القحطاني

اقرأ المزيد للكاتب ←

أضف تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *