جودة على الورق… ورداءة في يد المستهلك
سلع لا تعمّر طويلًا تفتح ملف المطابقة والرقابة والغش التجاري في الأسواق
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
تزدحم الأسواق بمنتجات متقاربة في الشكل، متفاوتة في السعر والجودة؛ لكن المستهلك لا يستطيع في كثير من الأحيان معرفة حقيقتها إلا بعد دفع ثمنها واستخدامها. فقد يشتري منتجًا يبدو سليمًا، ثم يتعطل خلال مدة قصيرة أو يكتشف أن أداءه لا يتوافق مع البيانات المكتوبة عليه، ليبدأ بعدها طريقًا طويلًا بين المتجر والضمان والمورد.
وليست كل سلعة منخفضة الجودة مغشوشة بالضرورة؛ فقد تُباع بجودة تتناسب مع سعرها. لكن المشكلة تبدأ حين تُخفى حقيقة المنتج، أو تُكتب عليه بيانات غير دقيقة، أو يُعرض بصفة لا يمتلكها، أو يُقدَّم للمستهلك على أنه أصلي أو عالي الجودة بينما حقيقته مختلفة.
شهادة المطابقة لا تلغي المسؤولية
ألزمت الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة المستوردين والمصنعين بتسجيل المنتجات الاستهلاكية في منصة «سابر»، والحصول على شهادات المطابقة والإرسالية وفق اللوائح الفنية المعتمدة؛ بهدف رفع مستوى السلامة والحد من دخول المنتجات المخالفة.
لكن حصول المنتج على شهادة مطابقة لا ينبغي أن يكون نهاية الرقابة؛ فالسؤال الأهم: هل تظل جودة المنتجات المعروضة في الأسواق مطابقة للعينة والبيانات التي صدرت الشهادة بناءً عليها؟
الحاجة قائمة إلى سحب عينات دورية ومفاجئة من الأسواق وفحصها، ومقارنة مكوناتها وأدائها بما هو مسجل رسميًا، مع إعلان النتائج للمستهلكين واتخاذ إجراءات واضحة عند اكتشاف المخالفات.
الرخيص قد يصبح أكثر كلفة
حين يضطر المستهلك إلى شراء السلعة نفسها مرات متكررة بسبب سرعة تلفها، فإنه يدفع في النهاية أكثر مما كان سيدفعه مقابل منتج جيد. وقد لا يتوقف الضرر عند الخسارة المالية، بل يمتد إلى سلامة الإنسان أو ممتلكاته.
وتزداد المشكلة عندما يرفض البائع إعادة السلعة بحجة أنها استُعملت، مع أن كثيرًا من العيوب لا يظهر إلا بعد التشغيل. وقد أكدت وزارة التجارة أن إعادة السلعة المعيبة واسترجاع قيمتها من الحقوق التي تكفلها الأنظمة للمستهلك.
مقترح لتعزيز الرقابة
يُقترح إلزام الموردين والمصنعين بإيضاح مدة الضمان والعمر الافتراضي التقريبي ومستوى التحمل وبلد الصنع بصورة لا تقبل الالتباس، ووضع رمز إلكتروني على كل منتج يتيح للمستهلك التحقق من بياناته وشهادة مطابقته والجهة المسؤولة عن ضمانه وأي استدعاءات أو تحذيرات مرتبطة به.
كما يُقترح إنشاء مؤشر معلن لتقييم التزام العلامات التجارية بالجودة، يعتمد على نتائج الفحوص والشكاوى والاستدعاءات ونسبة الأعطال، بحيث يعرف المستهلك المنتج الذي أثبت كفاءته، ولا تبقى قرارات الشراء خاضعة للإعلانات أو شكل العبوة فقط.
من يحمي المستهلك؟
المسؤولية مشتركة؛ فالتاجر مطالب باختيار منتجات آمنة وتقديم معلومات صحيحة، والمستهلك مطالب بالاحتفاظ بالفاتورة والإبلاغ عن المخالفات، والجهات الرقابية مطالبة بمتابعة المنتج بعد دخوله السوق، لا عند المنافذ فقط.
وتصل عقوبات الغش التجاري إلى السجن والغرامة والتشهير بحسب طبيعة المخالفة، كما يتيح نظام سلامة المنتجات اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع المنتجات الخطرة أو سحبها من الأسواق.
إن حماية المستهلك لا تبدأ بعد وقوع الضرر، بل قبل وصول المنتج الرديء إلى يده. فالجودة ليست عبارة تُطبع على الغلاف، وشهادة المطابقة ليست حصانة دائمة؛ وإنما التزام مستمر، ورقابة حقيقية، ومحاسبة تحفظ ثقة الناس وسلامة الأسواق.








