طرق تُسفلت اليوم… وتتلف غدًامن المسؤول ؟
تكرار التشققات والحفر يفتح ملف جودة الخلطات الإسفلتية وكفاءة التنفيذ ومسؤولية الاستلام والرقابة
أحوال – أبها – محمد سعد القحطاني
تُنفذ مشروعات سفلتة جديدة، ويشعر المواطن للحظات بأن الطريق استعاد جودته، لكن هذا الشعور لا يستمر طويلًا في بعض المواقع؛ إذ تبدأ التشققات والهبوطات والتآكلات بالظهور، ثم تتحول أجزاء من الطريق إلى حفر وتموجات خلال مدة لا تتناسب مع عمر المشروع ولا مع الأموال التي أُنفقت عليه.

وقد يكون من السهل إرجاع المشكلة كلها إلى سوء المادة الإسفلتية، لكن تلف الطرق المبكر قد ينتج عن عوامل متعددة: رداءة مكونات الخلطة، أو عدم ملاءمتها لحرارة المنطقة وكثافة المرور، أو ضعف الطبقات الواقعة تحت الإسفلت، أو قلة الدمك، أو تنفيذ العمل في درجات حرارة غير مناسبة، أو سوء تصريف مياه الأمطار، أو إعادة السفلتة فوق أساس متضرر، أو الحفريات المتكررة للخدمات.
وهنا لا يصبح السؤال: لماذا ظهرت الحفرة؟ بل: كيف استُلم الطريق أصلًا، ومن اعتمد نتائج فحوصه، وهل عوقب المقاول الذي ظهر الخلل في عمله؟
مسؤولية موزعة لا ينبغي أن تضيع بينها المحاسبة
تختلف الجهة المسؤولة بحسب تصنيف الطريق؛ فالطرق والشوارع الواقعة داخل النطاق الحضري تكون عادةً تحت إشراف الأمانات والبلديات، بينما تتولى منظومة النقل مسؤوليات الطرق الواقعة ضمن اختصاصها، وتشرف الهيئة العامة للطرق على تنظيم القطاع وتوحيد معاييره الفنية.

وأطلقت الهيئة كود الطرق السعودي لتوحيد المعايير الفنية وتحسين الجودة والسلامة المرورية. كما أصدرت وزارة البلديات والإسكان مواصفات عامة لإنشاء الطرق الحضرية موجهة إلى الأمانات والبلديات والاستشاريين والمقاولين، إضافة إلى دليل لتقييم طبقات الرصف الواقعة تحت المسؤولية البلدية. وهذا يعني أن المعايير والأدلة موجودة؛ لكن القضية الحقيقية تكمن في مدى تطبيقها ميدانيًا.
ماذا يحدث قبل استلام الطريق؟
من المفترض ألا يُستلم مشروع السفلتة بالنظر إلى نعومة سطحه أو لونه؛ بل عبر سلسلة من الاختبارات تشمل جودة الركام والمادة الرابطة، ونسب مكونات الخلطة، ودرجة حرارتها عند الإنتاج والفرش، وسماكة الطبقات، وكثافة الدمك، واستواء السطح، وقدرته على تحمل الأحمال، وسلامة التصريف.
ويجب أخذ عينات مستقلة من الموقع، لا الاكتفاء بتقارير يقدمها المقاول نفسه، ثم مقارنة النتائج بالمواصفات المعتمدة قبل صرف المستحقات والاستلام النهائي.
أما إذا ظهرت التشققات والهبوطات بعد أشهر قليلة، فلا يصح أن تتحمل الجهة العامة تكلفة الإصلاح مرة أخرى؛ بل ينبغي الرجوع إلى المقاول والاستشاري والمختبر الذي أجاز العمل، وتحديد موضع الخلل والمسؤول عنه.
أين نتائج المختبرات والضمان؟
من حق المواطن أن يعرف مدة ضمان الطريق، واسم المقاول والاستشاري، وتاريخ التنفيذ، والاختبارات التي أجريت عليه. فالطريق ليس مشروعًا خفيًا، بل مرفق عام دُفع ثمنه من المال العام ويستخدمه الناس يوميًا.
والمطلوب ألا يُقيّم المقاول على سرعة الإنجاز وحدها، وإنما على بقاء الطريق سليمًا خلال عمره التصميمي. كما يجب أن يدخل سجل جودة مشروعاته السابقة ضمن تقييمه عند المنافسة على مشروعات جديدة؛ فمن غير المقبول أن يتكرر تلف الطرق ثم يعود المقاول نفسه إلى تنفيذ مشروعات أخرى دون أثر واضح للمساءلة.

مبادرة «الهوية الرقمية للطريق»
يقترح التقرير إنشاء هوية رقمية لكل مشروع طريق، تُربط بلوحة صغيرة ورمز استجابة سريع، وتتضمن:
- اسم الجهة المالكة والمقاول والاستشاري.
- تاريخ بدء المشروع واستلامه.
- مصدر الخلطة الإسفلتية والمختبر الذي فحصها.
- سماكة الطبقات ونوع الخلطة المعتمدة.
- مدة الضمان وأعمال الصيانة المنفذة.
- صور الطريق قبل التنفيذ وبعده.
- سجل البلاغات والتشققات والحفر.
- نتيجة تقييم الطريق بعد سنة وثلاث سنوات وخمس سنوات.
كما ينبغي عدم صرف كامل مستحقات المقاول عند الاستلام الأولي، وحجز نسبة منها حتى اجتياز الطريق تقييمًا لاحقًا يثبت جودة التنفيذ، مع إلزام المقاول بإصلاح أي عيب يظهر خلال مدة الضمان على نفقته.
الجودة ليست رفاهية
سوء الطريق لا يزعج السائق فقط؛ بل يتسبب في تلف الإطارات والمركبات، ويرفع احتمالات الحوادث، ويعطل الحركة، ويستنزف ميزانيات الصيانة. وكل طريق يُعاد إصلاحه بسبب تنفيذ ضعيف يعني أن المال العام دُفع مرتين مقابل العمل نفسه.
المواطن لا يطالب بطريق لا يتأثر إلى الأبد، لكنه يطالب بطريق يُنفذ وفق المواصفات، ويخضع لفحص مستقل، ويُحاسب المسؤول عند تلفه قبل أوانه.
ويبقى السؤال موجهًا إلى وزارة النقل والخدمات اللوجستية، والهيئة العامة للطرق، ووزارة البلديات والإسكان، والأمانات والبلديات:
كم طريقًا رُفض استلامه بسبب ضعف الجودة؟ وكم مقاولًا أُلزم بإعادة السفلتة على نفقته؟ ولماذا لا تُعلن نتائج فحوص الطرق ومدد ضمانها للمواطنين؟
فالطريق الجيد لا تثبت جودته يوم افتتاحه، وإنما بعد مرور الصيف والأمطار والشاحنات والسنوات.




