
عميد م./ سعيد بن احمد الاسمري
قصتي مع السرطان كانت اشد قسوة ممن تعرض مثلي لهذا المرض.
قبل مايقارب ثلاثة عقود من الآن، أصبت بأورام متعددة في جسدي، داخليًا وخارجيًا، بل وصلت حتى رأسي. أبلغني الأطباء في أمريكا حينها أن حالتي مستعصية على العلاج، وأنه لا أمل في علاجي، ونصحوني بالعودة إلى المملكة لقضاء أيامي الأخيرة هناك، إذ لم يتبقَّ لي، حسب تقديرهم، سوى شهرين للحياة.
كان المرض قد بلغ مني مرحلة متقدمة، ولم يكن العلاج الكيميائي المتوفر حينها قادرًا على مواجهته.
عدت إلى الفندق الذي اقيم فيه، وفي فجر اليوم الثاني، بعد أن صليت، رفعت يدي إلى السماء ودعوت الله:
“اللهم عافني وشافني، اللهم عافني وشافني، اللهم عافني وشافني.. اللهم هون عليَّ مصيبتي، وهونها على أمي، وزوجاتي، وأولادي، وأخواتي، وكل من يهمه أمري.
وفي تلك اللحظة، شعرت براحة عجيبة، وكأن الله قد ألقى في قلبي السكينة.
تبددت مخاوفي تمامًا، رغم أن الآلام ظلت قائمة، لكن نفسيتي تغيرت، وعادت إليَّ الروح القتالية التي كنت أحتاجها لخوض المعركة.
عدت إلى المستشفى في أمريكا، وأصررت على الاستمرار في العلاج، رغم سخرية بعض الأطباء أحيانًا وضيقهم مني أحيانًا أخرى.. لكنني لم أستسلم.
وبمحض الصدفة، وبعد إصراري المستمر على البحث عن أي فرصة للنجاة، جاءني أحد الأطباء ذات يوم بخبر مفاجئ:
“وصلنا علاج كيميائي جديد لم يُجرَّب على البشر بعد، فهل لديك استعداد لأن تكون أول متبرع نجربه عليه؟” لم أتردد لحظة. رغم المخاطر المجهولة، وافقت على الفور.
دخلت في معركة العلاج لمدة عامين، قاومت بكل ما أوتيت من قوة، حتى شفاني الله، وعافاني من هذا المرض الخبيث.
والأعجب أن ذلك العلاج الذي كنت أول من جُرِّب عليه، تم اعتماده لاحقًا وأصبح يُستخدم حتى يومنا هذا.
الشاهد هنا أن الدعاء سلاح عظيم، لكنه يحتاج إلى إيمان بالله صادق، وصبر، ومعنوية عالية، وقوة عزيمة.
لا يزال لدي الكثير من التفاصيل التي يجب أن أضيفها، عن آلامٍ قاسية، ومعاناةٍ طويلة، وانتكاساتٍ متكررة، واستنتاجاتٍ خرجت بها بعد هذه الرحلة الشاقة.
من أهم ما تعلمته أن السرطان يشبه العدو الجبان؛ إن رآك خائفًا منه زاد هجومه عليك، وإن رآك قويًا، تنظر إليه بثبات وعزيمة، تراجع وانكمش.
وأدركت أيضًا أن الدواء في كثير من الأحيان يكون أشد إيلامًا من الداء نفسه، لكن الصبر عليه هو الثمن الذي ندفعه من أجل الشفاء. هذه المعركة لم تكن مجرد مواجهة مع المرض، بل كانت اختبارًا حقيقيًا للإيمان، والقوة، والإرادة.
المصدر: @Abdulla_Adwani



