قصة غنيت مكة أهلها الصيدأ

الباحث الأمني لواءم/ طلال محمد ملائكة
فيروز، الصوت الذي وحّد القلوب عبر العالم العربي، تنتمي إلى عائلة مسيحية لبنانية، وزوجها الراحل عاصي الرحباني، وولدهما زياد، الذي غادر الحياة قبل أيام، جميعهم كانوا ولا يزالون من أبرز الأصوات المدافعة عن القضايا العربية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
زياد الرحباني، الذي حمل إرث والديه الفني والإنساني، لطالما عبّر بمواقفه وأعماله عن انحياز صريح لفلسطين، ولم يتوانَ يومًا عن توجيه النقد للمحتل، رغم الانتماء الديني المختلف، ما يفضح ازدواجية بعض من يدّعون الدفاع عن القيم بينما يميلون إلى تأييد الكيان الإسرائيلي، تحت تأثير الدعاية الغربية والصهيونية.
وفي ظل هذا التناقض، لا بد من التذكير بأن من أعذب ما غنّته فيروز كانت أنشودة “غنيتُ مكةَ أهلها الصيدا”، من كلمات الشاعر اللبناني سعيد عقل، وألحان عاصي الرحباني. جميعهم مسيحيون، لكنهم غنّوا لمكة، لأهلها، لتاريخها، بروح يملؤها الاحترام والحب.
ويجدر بالذكر أن مفردة “الصيدا” تعني “الكرام”، وهي صفة أصيلة في أهالي مكة، منذ عهد هاشم بن عبد مناف، جد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي اشتهر بإطعام الحجاج والثريد في سنوات القحط، وهو إرث مكّي ظل حاضرًا حتى السنوات القريبة، حين كان “المطوّفون” يقدّمون الطعام والماء للحجاج مجانًا، مرددين قولًا توارثوه: “هؤلاء الحجاج ضيوف الرحمن”.
لقد جسّد صوت فيروز ورسالة الرحابنة، ذلك الإرث الأخلاقي والإنساني العابر للطوائف والمذاهب، لتعيد للأذهان المعنى الأعمق لوحدة الأمة، التي تتجاوز الانتماء الديني إلى الانتماء الحضاري، العربي، الإسلامي، والإنساني.
في عالم يعجّ بالمزايدات والانقسامات، تظل فيروز – بصوتها وقيمها – رمزًا لصوت الضمير الجمعي، الذي يُعيد إلينا الإيمان بأننا، كعرب ومسلمين، نملك من الإرث والقيم ما يجعلنا أكثر من مجرد شعوب، بل أمة واحدة بمبادئ خالدة.
حفظ الله بلاد الحرمين الشريفين، قيادةً وشعبًا، وجمعنا دائمًا على المحبة والإخاء والوحدة.


