الرئيسيةتقنية

السعودية من الفكرة إلى المنصة المدارية

Listen to this article

كتب رئيس التحرير صالح بن خميس الزهراني

في خطوة تعكس التحول النوعي الذي تقوده المملكة في قطاع الفضاء، نجحت وكالة الفضاء السعودية في إطلاق القمرين الصناعيين «روضة سكوب» و«أفق»، واللذين صممهما طلاب من جامعة الأمير سلطان وجامعة أم القرى، ضمن مسابقة «ساري» الوطنية لتصميم وبناء الأقمار الصناعية الصغيرة، وذلك في إنجاز يُجسّد انتقال المملكة من مرحلة الاهتمام النظري بعلوم الفضاء إلى مرحلة التصنيع الفعلي والمشاركة الدولية في المهام الفضائية.
الصورة

ويأتي هذا الإنجاز امتدادًا لمسيرة بدأت رسميًا مع تأسيس وكالة الفضاء السعودية عام 2018، حين وضعت المملكة قطاع الفضاء ضمن أولويات رؤيتها الطموحة (رؤية 2030)، واعتبرته إحدى الركائز المستقبلية للاقتصاد المعرفي القائم على الابتكار والتقنية المتقدمة.

من الفكرة إلى المنصة المدارية

شهدت مسابقة «ساري» مشاركة أكثر من 42 جامعة سعودية وما يزيد عن 480 فريقًا طلابيًا، تنافسوا على تصميم أقمار صناعية صغيرة وفق معايير هندسية دقيقة تحاكي متطلبات الصناعات الفضائية العالمية. وبعد مراحل واختبارات متعددة، تم اختيار فريقين فائزين تمكنوا من تحويل أفكارهم العلمية إلى نماذج فضائية قابلة للإطلاق والتشغيل.وقد صمّم فريق «روضة سكوب» قمره ليعمل في مجال إنترنت الأشياء منخفض الطاقة، بهدف دعم المشاريع البيئية وتوسيع نطاق الاتصال في المناطق النائية، بينما ركّز فريق «أفق» على دراسة الطقس الفضائي وتأثير النشاط الشمسي على أنظمة الملاحة والتوقيت والاتصالات.

يمثل ذلك نقلة استراتيجية في توظيف الفضاء لخدمة احتياجات التنمية، وليس فقط للأغراض البحثية التقليدية.مراحل تصنيع الأقمار الصناعية

تمر صناعة الأقمار الصناعية بعدة مراحل أساسية، يمكن تلخيصها في:

مرحلة التصميم الهندسي: وتشمل وضع الهيكل العام للقمر، وتحديد وظائفه الرئيسية وأهدافه العلمية أو الخدمية.

  1. مرحلة تطوير الأنظمة الإلكترونية: وتشمل وحدات الطاقة، الاتصال، المعالجة، الاستشعار، وأنظمة التحكم.
  2. مرحلة البرمجة والاختبارات الأرضية: حيث تُختبر قدرة القمر على العمل في ظروف مشابهة للفضاء من حيث الحرارة والفراغ والاهتزاز.
  3. مرحلة الدمج والإطلاق: وفيها يتم تثبيت القمر داخل منصة الإطلاق وإرساله إلى مداره المحدد.
  4. مرحلة التشغيل والتحكم: ويتم فيها إدارة القمر من مراكز التحكم الأرضية واستقبال البيانات.

هذه المراحل أصبحت اليوم تُدرّس وتُطبّق عمليًا داخل الجامعات السعودية بالشراكة مع وكالة الفضاء، وهو ما أسهم في نقل المعرفة من المختبرات إلى الواقع التطبيقي.

ماذا تصنع المملكة فعليًا اليوم؟

لم تعد السعودية تعتمد على الاستيراد الكامل للتقنيات الفضائية، بل بدأت – عبر برامجها الوطنية والجامعات – بتصميم وتصنيع أقمار صناعية صغيرة (Small Satellites و CubeSats)، وهي تعد الخطوة الأولى لبناء صناعة فضائية متكاملة تشمل مستقبلًا:

  • أقمار الاتصالات
  • أقمار الاستشعار عن بعد
  • أقمار الأرصاد الجوية
  • منصات مراقبة البيئة والمياه والزراعة
  • الأنظمة الداعمة للمدن الذكية والمركبات ذاتية القيادة

وهذا يفتح الباب أمام تأسيس صناعات محلية مغذية في مجال الإلكترونيات الدقيقة، والبرمجيات الفضائية، والمواد المتقدمة.

وفي هذا نتعرف على بداية السعودية فعليًا في هذا المجال:

كانت البدايات الفعلية مع:

  • إطلاق برامج الأقمار الصناعية التعليمية والبحثية في عدد من الجامعات منذ مطلع العقد الماضي
  • تأسيس وكالة الفضاء السعودية عام 2018
  • إطلاق أول رائدة فضاء سعودية عام 2023
  • دخول المملكة في شراكات فضائية دولية مع وكالات ومراكز أبحاث حول العالم
  • إطلاق برامج وطنية لتدريب المهندسين والطلاب في تقنيات الأقمار الصناعية

واليوم، تنتقل المملكة تدريجيًا من مرحلة “المشاركة” إلى مرحلة “الريادة والتصدير المعرفي”.

ومن ذلك إلى أي مرحلة يمكن أن تصل السعودية:

وفق المسار الحالي والدعم الحكومي المتصاعد، يمكن للسعودية خلال السنوات القادمة أن:

  • تصبح مركزًا إقليميًا لصناعة الأقمار الصناعية الصغيرة
  • تطور منصات إطلاق محلية مستقبلًا
  • تدخل في تصنيع أقمار متقدمة للاتصالات والإنترنت الفضائي
  • تصدّر تقنيات فضائية لدول المنطقة
  • تقود أبحاثًا عالمية في علوم الفضاء والذكاء الاصطناعي الفضائي

كما يمكن أن تتحول إلى مركز جذب للشركات العالمية الناشئة في تقنيات الفضاء.

هل للذكاء الاصطناعي دور في هذا النجاح؟

نعم، وبشكل محوري.
فالذكاء الاصطناعي دخل بالفعل في:

  • تحليل البيانات القادمة من الأقمار الصناعية
  • التنبؤ بالطقس والظواهر المناخية
  • إدارة حركة الأقمار والحد من الاصطدامات
  • تحسين استهلاك الطاقة داخل الأقمار
  • قيادة الأقمار ذاتياً دون تدخل بشري مباشر
  • دعم أنظمة المراقبة البيئية والكوارث الطبيعية

ومع تقدم المملكة في مجال الذكاء الاصطناعي (واحتلالها مراتب عالمية متقدمة)، فإن دمج هذه التقنيات مع برامج الفضاء سيمنحها أفضلية تنافسية غير مسبوقة.

أكثر من إنجاز… رسالة مستقبل

إن نجاح إطلاق «روضة سكوب» و«أفق» ليس حدثًا علميًا عابرًا، بل رسالة واضحة بأن المملكة باتت تدخل عصر الفضاء بثقة علمية وسواعد وطنية، وتؤكد للعالم أن الاستثمار في العقول الشابة، والبحث العلمي، والتقنية المتقدمة هو الطريق الأقصر نحو السيادة المعرفية والاقتصادية.

اليوم، تصنع المملكة أقمارها… وغدًا قد تصنع مستقبل الفضاء في المنطقة بأكملها.

ولهذا وغيره من المهم أن نقف على تطوير هذه التقنية في جامعة أم القرى، وما يصب في سياق جهودها في قطاع الفضاء بعد ان طوّر فريق «أفق» في جامعة أم القرى قمرًا صناعيًّا بحثيًّا مخصّصًا لرصد الطقس الفضائي ودراسة تأثير الإشعاعات الشمسية على أنظمة التوقيت والملاحة — في إنجاز علمي يُعدّ إضافة نوعية للمشهد التقني السعودي. 

وقد حظي المشروع بدعم من وكالة الفضاء السعودية، بعد أن فاز فريق “أفق” (المكوّن من أربع طالبات) في إطار مسابقة مسابقة ساري لبناء وتصميم الأقمار الصناعية الصغيرة. 

 الفريق وطبيعة المشروع

يتألف الفريق من الطالبات:

  • خلود مصطفى
  • جمانة المالكي (قسم الفيزياء الطبية)
  • رزان اللحياني (قسم علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي)
  • نوف الزهراني (قسم الفيزياء) 

ويهدف القمر الصناعي إلى:

  • مراقبة وتحليل تأثير ظواهر الطقس الفضائي (كالعواصف الشمسية) على إشارات الملاحة والتوقيت. 
  • دعم أنظمة التحذير المبكر في حال حدوث خلل فضائي، والحد من تأثيراته على القطاعات الحيوية. 
  • توفير بيانات محلية تُغني الأبحاث الأكاديمية السعودية في مجال الطقس الفضائي، وتعزز من قدرات البحث والتطوير في المملكة. 

 إطلاق القمر الصناعي

إن أعلن وكالة الفضاء السعودية عن نجاح إطلاق القمر الصناعي “أفق” ضمن مهمة دولية، إلى جانب قمر آخر من جامعة مختلفة، ليس فقط كمكافأة على فوز مشاريع طلابية منافسة من بين 42 جامعة سعودية وأكثر من 480 فريقًا مشاركًا بل هو بصمة قياة ووطن في سجل التاريخ النووي. 

ووصفت الوكالة هذا الإنجاز بأنه “قفزة نوعية” تعكس السعي نحو تمكين الكفاءات الوطنية الشابة من قيادة قطاع الفضاء.

 أهمية التقنية وأهدافها المستقبلية

  • من خلال البيانات التي سيجمعها القمر، يمكن تطوير نماذج توقعية للطقس الفضائي مما يساعد في الوقاية من تأثير الإشعاعات الشمسية على أنظمة الملاحة، الاتصالات، وأنظمة التوقيت. 
  • تمثّل هذه الخطوة جزءًا من جهود جامعة أم القرى لتوسيع برامج الفضاء وهندسة الأقمار الصناعية داخل المملكة. 
  • كما تُعزز من الأمن الفضائي الوطني وتقلّل من المخاطر المحتملة على البنى التحتية الرقمية والملاحيّة — خاصة في حالات العواصف الشمسية أو اضطرابات الفضاء. 

في سياق رؤية مستقبلية:

يأتي هذا المشروع ضمن توجه أوسع لتمكين الشباب السعودي من خوض تجارب تطبيقية في علوم الفضاء — حيث تُعد المسابقة “ساري” منصة وطنية تُتيح للطلبة تحويل أفكارهم البحثية إلى مشاريع واقعية تطلع إلى المدار. 
وهذا ينسجم مع مبادرات المملكة في الاستثمار في مجال الفضاء والتعليم التقني المتقدم، لدعم اقتصاد المعرفة والتطوير التقني. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى