في إنجاز طبي يُجسّد القفزة النوعية التي يشهدها القطاع الصحي في المملكة العربية السعودية، أسهم التدخل السريع ضمن نظام “مسار الرعاية العاجلة” – أحد أبرز مسارات نموذج الرعاية الصحية السعودي – في إنقاذ حياة مواطنة تبلغ من العمر 96 عامًا كانت تعاني من ضيق شديد في الصمام الأورطي، إذ نجح فريق طبي متخصص في مدينة الملك عبدالله الطبية، عضو تجمع مكة المكرمة الصحي، في استبدال الصمام عبر القسطرة دون الحاجة إلى تدخل جراحي مفتوح.
ويُعدّ تضيق الصمام الأورطي من الأمراض القلبية المزمنة الخطيرة التي تعيق تدفّق الدم من القلب إلى باقي أعضاء الجسم، وقد تم التعرف على هذا المرض علميًا منذ القرن التاسع عشر، مع تطور علم تشريح القلب وفهم وظائف الصمامات القلبية. وفي بدايات القرن العشرين، كانت خيارات العلاج محدودة للغاية وتعتمد أساسًا على العمليات الجراحية المفتوحة عالية الخطورة، خصوصًا لكبار السن وضعاف البنية الصحية، مما أدى إلى نسب مضاعفات ووفاة مرتفعة في ذلك الوقت.
ومع تطور الطب التدخلي في العقود الأخيرة، بدأت تقنيات جديدة تظهر في الأفق، أبرزها تقنية استبدال الصمام الأورطي عبر القسطرة (TAVI/TAVR)، التي بدأت أولى تجاربها السريرية بنجاح في فرنسا عام 2002 على يد الطبيب آلان كريبير (Alain Cribier)، لتفتح الباب أمام ثورة طبية في علاج أمراض الصمامات دون الحاجة إلى جراحة قلب مفتوح.
ومع مرور السنوات، انتشرت هذه التقنية في كبرى المراكز الطبية العالمية، لتصبح خيارًا آمنًا وفعالًا لكبار السن والمرضى ذوي الخطورة العالية. واليوم، تنضم المملكة العربية السعودية إلى قائمة الدول المتقدمة في هذا المجال، من خلال مراكزها التخصصية المتقدمة، وعلى رأسها مدينة الملك عبدالله الطبية بمكة المكرمة.
وأوضحت المدينة الطبية أن المريضة كانت تعاني من ضيق شديد في الصمام الأورطي، وأن الفرق الطبية أجرت تقييمًا دقيقًا لحالتها الصحية والعمرية، ليتم اتخاذ قرار إجراء العملية باستخدام أحدث تقنيات القسطرة القلبية دون تدخل جراحي مفتوح، الأمر الذي قلّل من المخاطر وسرّع من عملية التعافي.
وبيّنت أن هذا النوع من التدخل الدقيق لا يتوفر إلا في المراكز الطبية المتقدمة والمجهزة بأحدث الأنظمة والأجهزة الطبية، كمركز القلب بمدينة الملك عبدالله الطبية، الذي يضم نخبة من الاستشاريين والأخصائيين المؤهلين عالميًا، إلى جانب غرف عمليات هجينة وتقنيات تصوير متقدمة تواكب أرقى المراكز العالمية.
ويمثل هذا النجاح إضافة نوعية إلى سجل المدينة الطبية في التميز بمجال علاج أمراض القلب والصمامات، إذ تُسهم هذه التقنية في تقليل فترة التنويم بالمستشفى، وتسريع عملية التعافي، وتحسين جودة حياة المرضى مقارنة بالعمليات الجراحية التقليدية التي تتطلب شق الصدر وفترة نقاهة طويلة.
كما يعكس هذا الإنجاز التقدم الكبير الذي وصلت إليه المملكة في مجال الطب التدخلي والعلاج دون جراحة، في إطار مستهدفات برنامج تحول القطاع الصحي ورؤية المملكة 2030، التي تهدف إلى تعزيز كفاءة الخدمات الطبية، وتوسيع نطاق الرعاية التخصصية، وتوطين التقنيات الطبية المتقدمة.
وتتميّز مدينة الملك عبدالله الطبية بمكة المكرمة بوجود منظومة صحية متكاملة تضم فرقًا متناغمة من مختلف التخصّصات الطبية والتمريضية والفنية، تعمل وفق أعلى معايير الجودة والسلامة، وتسعى بشكل مستمر إلى تحقيق الريادة الطبية ونيل رضا المستفيدين، بما يعزز من مكانتها كمركز مرجعي على مستوى المنطقة والعالم الإسلامي.
وفي ظل القفزات المتسارعة في تقنيات الطب غير الجراحي، يزداد الأمل مستقبلاً في ابتكار حلول أكثر أمانًا وفعالية، تقلص من المخاطر والآثار الجانبية، وتفتح آفاقًا واسعة لعلاج المزيد من الأمراض المزمنة والمعقّدة دون اللجوء إلى الجراحة التقليدية.