الرئيسيةثقافة

بابا.. حين يصنع أدب الطفل الوعي قبل الحكاية

Listen to this article

أحوال – د صبحي الحداد و عبد الله صالح الكناني 

لم يعد أدب الطفل في التجربة الثقافية السعودية مجرد مساحة للترفيه أو التسلية، بل تحوّل إلى أداة وعي مبكر، تسهم في بناء اللغة، وصقل الذائقة، وتشكيل منظومة القيم لدى النشء. ومن هذا المنطلق، جاءت الفعالية الثقافية التي نظّمتها جمعية أدب الطفل وثقافته بجدة بعنوان «شخصية (بابا) في الإنتاج الأدبي الموجّه للطفل السعودي»، لتعيد قراءة واحدة من أكثر الشخصيات التصاقًا بالذاكرة الطفولية السعودية.

الفعالية، التي أُقيمت ضمن مبادرة الشريك الأدبي، لم تكتفِ بسرد تاريخي لشخصية «بابا»، بل قدّمت قراءة تحليلية لدورها الثقافي والتربوي، بوصفها نموذجًا للأب الراوي والمعلّم والمرشد، الذي خاطب الطفل بلغته، ولامس وجدانه، وأسهم في غرس القيم دون مباشرة أو تلقين.

أدب الطفل… من النص إلى بناء الشخصية

ناقش اللقاء أدب الطفل بوصفه مدخلًا لغويًا وتربويًا، تتشكل من خلاله ملامح الوعي الأول، حيث تتجاوز القصة حدود الحكاية إلى بناء السلوك والخيال والانتماء. وأبرزت الفعالية كيف استطاعت الأعمال المسموعة والمرئية المرتبطة بشخصية «بابا» أن تؤدي هذا الدور، عبر محتوى بسيط في لغته، عميق في دلالاته، قريب من الحياة اليومية للطفل والأسرة.

وقدمت النماذج السعودية في هذا المجال تجربة رائدة، حافظت على الهوية الثقافية، وواكبت في الوقت ذاته تطورات صناعة المحتوى الموجّه للصغار، فجمعت بين الترفيه والتعليم، وبين القيم والمتعة.

مشعل الحارثي… قراءة من موقع الثقافة والتربية

أضاء المحاضِر الأستاذ مشعل الحارثي، وهو أحد الوجوه الثقافية المعروفة في جدة، على هذه التجربة من زاوية ثقافية تربوية، مستندًا إلى خبرته الثقافية الواسعة، إذ يُعدّ الاستاذ/ مشعل الحارثي أحد الأسماء البارزة في المشهدين الصحفي والثقافي، حيث عمل مديرًا للتطوير الإداري بتعليم منطقة مكة المكرمة، وشغل سابقًا منصب المستشار الإعلامي بجامعة جدة. ويمتلك مسيرة صحفية تمتد لأكثر من ربع قرن، تنقّل خلالها بين عدد من الصحف والمجلات السعودية والكويتية، من أبرزها: جريدة الندوة، الاقتصادية، اليوم، البلاد، الشرق الأوسط، إلى جانب مجلة الغرفة التجارية الصناعية بالطائف، ومجلة الغرفة التجارية الصناعية بجدة، ومجلة النهضة الكويتية، ومجلة امرأة الأمة، وجريدة الوطن الكويتية، وغيرها من المنابر الإعلامية.

وعلى الصعيد الإداري والإعلامي، عمل مديرًا للعلاقات العامة والإعلام بمدارس الثغر النموذجية بجدة، كما تولّى إدارة الإعلام بالجمعية السعودية للإدارة، وأسهم خلالها في إصدار العديد من النشرات الإعلامية المتخصصة التي دعمت العمل المؤسسي والمهني للجمعية.

وفي مجال الكتابة الصحفية، شارك كاتبَ رأي في عدد من الصحف، من بينها جريدة البلاد، ويواصل حضوره اليوم من خلال مقالاته في جريدة الجزيرة، حيث عُرف بطرحه المتزن واهتمامه بالشأنين الثقافي والتنموي.

كما قدّم الحارثي العشرات من الفعاليات الثقافية والأدبية والأمسيات الشعرية، وكان من الوجوه البارزة في تقديم الاثنينية الشهرية لصاحبها الراحل، صديق الأدباء ومحبّهم الاستاذ/  عبدالمقصود خوجه – رحمه الله –، إضافة إلى أسبوعية الدكتور عبدالمحسن القحطاني، ومناشط النادي الأدبي الثقافي بجدة بصفته عضوًا في جمعيته العمومية، وعضوًا في اللجنة الثقافية بجمعية الثقافة والفنون.

وعلى مستوى التأليف، صدر له عدد من الكتب من بينها: كتاب الكتب والمكتبات بالطائف (إصدار النادي الأدبي بالطائف)، وكتاب الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز: منجزات على طريق البناء، وكتاب الملك فيصل والمدرسة النموذجية: عطاء تاريخي ونماء تعليمي، وكتاب من ذاكرتي الصحفية. كما لديه أكثر من عشرين كتابًا قيد الطبع، تعكس ثراء تجربته وتنوع اهتماماته في مجالات الصحافة والثقافة والتوثيق.

وأكد الحارثي في تلك الأمسية أن شخصية – بابا- نجحت لأنها لم تتعالَ على الطفل، بل نزلت إلى عالمه، واحترمت عقله، وبنت علاقة وجدانية آمنة بين النص والمتلقي الصغير، وهو ما جعلها راسخة في الذاكرة الجمعية.

وتوقف عند عدد من الشخصيات التي شكّلت علامات بارزة في أدب الطفل السعودي، مثل:
بابا طاهر (طاهر زمخشري)، وبابا خطاب (جميل خطاب)، وبابا عباس (عباس غزاوي)، وبابا يعقوب (يعقوب إسحاق)، معتبرًا أن هذه الأسماء أسست لمرحلة ثقافية مهمة خاطبت الطفل السعودي بلغته وقيمه.

قراءة نقدية للتجربة المحلية

وأدار الحوار الأستاذ سيف المرواني، الذي شدد على أهمية إعادة قراءة التجارب المحلية في أدب الطفل، ليس من باب الحنين، بل بوصفها منجزًا ثقافيًا يمكن البناء عليه، وتطويره، واستلهام عناصره في المحتوى الحديث.

من جهته، أعلن رئيس مجلس إدارة الجمعية الدكتور سعد الرفاعي عن نشر محاضرة الحارثي على موقع الجمعية الإلكتروني، تقديرًا لقيمتها الأدبية والعلمية، وعدّ ذلك وفاءً لرموز أسهمت في تشكيل وعي أجيال من الأطفال.

وشهد اللقاء مداخلات ثقافية متعددة، من بينها دعوة الدكتور يوسف العارف إلى تخصيص دراسة موازية عن حضور «الأم» في أدب الطفل السعودي، والأديبات اللاتي قدّمن هذا الدور تحت مسمى «ماما»، بما يعكس التكامل الأسري في الخطاب الثقافي الموجّه للطفل.

أدب الطفل… رافد تنموي

خلصت الفعالية إلى أن أدب الطفل ليس نشاطًا هامشيًا، بل رافد أساسي من روافد التنمية الثقافية، وأن استحضار التجارب السعودية الرائدة، مثل تجربة «بابا»، يمثل خطوة مهمة نحو بناء محتوى معاصر، واعٍ، ومتجذر في الهوية.

وتأتي هذه الفعالية ضمن جهود جمعية أدب الطفل وثقافته في دعم المحتوى الأدبي الموجّه للصغار، وتمكين المبدعين، وتعزيز الوعي المجتمعي بدور الأدب في صناعة الإنسان منذ سنواته الأولى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى