مقالات

ضربات ترامب لإيران لو وقعت من الخاسر؟

Listen to this article

 

الباحث الأمني اللواء م/ طلال ملائكة

شهد العالم، قبل أيام، بترقّبٍ وحذرٍ بالغين، المظاهرات التي اندلعت في إيران، وما رافقها من ردود أفعال عالمية، ولا سيما تلك الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي وُصفت بـ«المثيرة». ويمكن اختصار تلك المواقف في الفقرة التالية:

التهديد الأمريكي الصادر عن ترامب وفريق البيت الأبيض بالتدخل العسكري، مع التأكيد على جاهزية الولايات المتحدة لذلك، وطرح خيار «تغيير النظام». كما خاطب ترامب المتظاهرين بالإشارة إلى أن المساعدات في طريقها إليهم، وحثّهم على السيطرة على مؤسسات النظام، في حين ألمح أعلامه إلى أن البديل المحتمل لرئاسة إيران هو ظاهر شاه، نجل شاهنشاه رضا بهلوي… إلخ.
لاحقًا، تراجع ترامب عن بعض تصريحاته وتهديداته، مبررًا ذلك بإقدام إيران على تعليق أحكام الإعدام بحق عدد من المتظاهرين… إلخ.

اللافت للنظر عالميًا أن الرئيس الأمريكي وفريقه لم يشيروا، طوال «حرب غزة التي استغرقت عامين»، إلى جرائم الإبادة والتجويع، ومخططات التهجير، ومشروع «الريفيرا»، وقتل ما يزيد على 70 ألفًا من الأطفال والنساء والمدنيين، وتدمير أكثر من 80% من المباني والمستشفيات والمدارس… إلخ.
ولن ينسى التاريخ والإنسانية تلك المظاهرات العالمية التي خرجت بسبب «حرب غزة»، والتي شاهدها مليارات البشر، وكيف تم إخمادها بسياسات مختلفة.

ومن وجهة نظري الشخصية، وبنظرة شمولية مختصرة لما سبق، أوجز النقاط التالية:

1- إيران دولة ذات تاريخ وحضارة عريقة «الفرس»، تمتد لآلاف السنين، وليست «دولة موز». كما تتمتع بمساحة جغرافية شاسعة، وتضاريس متنوعة، ويبلغ عدد سكانها نحو 90 مليون نسمة. فضلًا عن موقعها الجغرافي المهم في قارة آسيا، وأهميته الاستراتيجية لشركائها وحلفائها، وعلى رأسهم الصين وروسيا.
إن العودة إلى التاريخ والأحداث الماضية والحالية تؤكد عمق الأهمية الجيوسياسية لإيران بالنسبة لهاتين القوتين العظميين، وما تمثله من منافذ استراتيجية يضعها الطرفان في صلب حساباتهما… إلخ.

2- تاريخ الصراع الأمريكي–الإيراني منذ قيام الثورة الخمينية قبل 47 عامًا، مرورًا باحتجاز موظفي السفارة الأمريكية، وفشل العملية العسكرية لتحرير الرهائن، ثم حرب الخليج الأولى بين نظام صدام حسين والنظام الإيراني، و«فضيحة الكونترا» للولايات المتحدة خلال فترة الرئيس ريغان، ودور إسرائيل في تلك الأحداث… إلخ، وما آلت إليه نتائج تلك المواجهات.

3- لا يمكن إغفال المواجهات العسكرية بين أمريكا وإيران في الخليج العربي، بما في ذلك احتجاز السفن، وحرب القوارب العسكرية، واحتجاز بعض الجنود الأمريكيين… إلخ، إضافة إلى التوترات المرتبطة بالخليج العربي بوصفه منفذًا عالميًا للطاقة، وما نتج عن ذلك من تداعيات سلبية في حينه… إلخ.

4- كذلك لا ننسى حرب الاثني عشر يومًا، ونتائجها والخسائر الجسيمة على الجانبين الإيراني والإسرائيلي، بما في ذلك ما تعرضت له إيران من تدمير لبعض مواقعها العسكرية الهجومية والدفاعية، إضافة إلى المواقع النووية الثلاثة التي استُهدفت بضربة «ترامب»، فضلًا عن اغتيال عدد من رؤوس القيادات الإيرانية… إلخ، وما أعقب ذلك من تطورات.

5- القوة العسكرية الإيرانية تختلف جذريًا عن قوة دول مثل فنزويلا وبنما، كما أن تجارب إيران الحربية خلال الأعوام الـ47 الماضية مختلفة. كذلك فإن محاولات تغيير النظام الإيراني عبر السنوات الماضية لم تنجح، بما في ذلك الاعتماد على المظاهرات. ولا ننسى ما تمتلكه إيران من مخزون صاروخي باليستي، استُخدم جزء منه خلال حرب الاثني عشر يومًا.

6- نعم، ضعفت إيران وخسرت معظم أذرعها في (اليمن، ولبنان، وسوريا، والعراق)، كما أن خلاياها النائمة موجودة في الخليج، مثل «الإمارات، والبحرين، والكويت»، وفي أنحاء أخرى من العالم، إلا أنها لم تفقد تلك الأذرع بشكل نهائي، وقد تعاود التحرك، لا سيما أن هذه الأذرع تؤمن عقائديًا بالنظام. فالأجساد تفنى، لكن الأرواح تبقى، وهذا عامل مؤثر في الحروب.

شخصيًا، والجميع يعلم بمنهجية وسلوك النظام الإيراني في تصدير الثورة الخمينية إلى الخليج وأجزاء أخرى من العالم… إلخ، وقد عايشت تلك الأحداث على المستوى الوطني، والتصدي لها من قبل حكومتي… إلخ.

ملخص ردود الفعل التي أعقبت التصريحات الترامبية:

1- تصريحات رموز النظام الإيراني، وعلى رأسهم وزير الدفاع والقيادات العسكرية وبعض السياسيين، والتي تضمنت التأكيد على أن «إيران، في حال تعرضها لضربة، سترد بضرب الوجود الأمريكي وأصول الولايات المتحدة في الخليج، وأي دولة تتعاون مع أمريكا في تنفيذ الضربة».
كما جاء التصريح الأخير لوزير الخارجية الإيراني بشأن الاستعداد للتفاوض والدبلوماسية.. والعودة لهذه التصريحات ودلالاتها.

2- مواقف السعودية وقطر وعُمان الرافضة لضرب إيران، من باب النصح والإرشاد، إضافة إلى تصريح وزير الخارجية التركي، وتصريحات الصين وروسيا، ومعظم دول العالم… والرجوع إلى تلك المواقف.

3- تطورات الأحداث في غرينلاند، وموقف الاتحاد الأوروبي، وشعب غرينلاند، ومعظم دول العالم، والقانون الدولي والأمم المتحدة.

أسئلة أطرحها على المفكرين والحكماء حول العالم:

1- هل يمكن تغيير نظام دولة ليست ضعيفة عسكريًا أو سياسيًا، وترتبط بمصالح استراتيجية مع قوى عظمى أخرى؟ ومن المتوقع أن تقدم تلك القوى دعمًا استخباراتيًا إلكترونيًا وأنظمة دفاعية.

2- كيف سيكون الموقف القانوني الدولي هذه المرة من أي تدخل عسكري أمريكي، ومواقف الدول ذات المصالح المشتركة والخاصة مع إيران؟

3- ما حجم التأييد الشعبي الداخلي للنظام الإيراني؟ وهل سيرضى الشعب بتدخل عسكري مدمر لأراضيه، وسقوط قتلى من أبنائه، حتى وإن كان بعضهم معارضًا للنظام؟

4- هل أسقطت الضربات الجوية عبر التاريخ الحديث أنظمة حكم دون تدخل بري وقوى عسكرية على الأرض؟ وماذا حدث في فيتنام وأفغانستان؟

5- هل ستتكبد شعوب الخليج خسائر بشرية ومادية إذا اشتعلت الحرب؟ ومن يضمن عدم وقوع تلك الخسائر؟

حفظ الله بلاد الحرمين الشريفين قيادةً وشعبًا، وحفظ الله العالم من أطماع الإنسان وشرور نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى